حرب الأخوين صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها Administrator   
الجمعة, 16 فبراير 2018 17:35

الآن، و بعد أن أنتهينا مما كتبه العماد طلاس في كتابه ثلاثة أشهر هزت سوريا، دعونا نبحث ما كتبه شاهد آخر على تلك المرحلة


 

الكاتب باتريك سيل بدوره أيضاً تعرض لأحداث عام 84 في كتابه " الأسد و الصراع على الشرق الأوسط ". إلا أن باتريك سيل، و إحتراماً منه لعقل القارئ، قد عمل على تغطية خلفيات أحداث 84 لشهور خلت حيث استعرض مالم يتجرأ طلاس على ذكره في كتابه ثلاثة أشهر هزت سوريا. و بينما ذهب طلاس، الذي استبدل الحبر بالحقد، لكيل التهم جزافاً للعميد رفعت الأسد، سوف نرى بالمقابل كيف أن باتريك سيل، الذي كتب بتجرد، قد أغدق، قاصداً أم لا، على العميد رفعت بالأوسمة وساماً تلو الآخر.  

الحقيقة ليس لي إطلاع واسع على كتابات باتريك سيل و لكن ما أن يقرأ القارئ صفحات قليلة من أي من كتبه حتى يكتشف أنه أمام كاتب مخضرم لا تعجزه الوسيلة و لا الإصرار للوصول إلى غايته المنشودة ألا و هي نشر الحقيقة و لا شيئ سواها حتى و إن كان يبحث في أزمات سياسية تعود مرجعيتها إلى واحد من أشد الأنظمة العربية غموضاً و أكثرها تعقيداً.

و نحن و إن كنا نؤمن أن باتريك سيل لم يكتب إلا بقدر ما استطاع الوصول إليه من شهادات محسوبة و مراقبة، فإننا نحترم فيه محاولاته الحثيثة للوصول إلى الحقائق. إذ بعد مقابلات عديدة مع الكثيرين من أقطاب الحكم في سوريا عام 84، فإنه آثر الإنتظار أربع سنوات أخرى قبل أن يتوجه ببحثه هذا للرئيس حافظ الأسد رحمه الله و يسأله عن حقيقة ما جرى.

و بالرغم أيضاً من بعض الأخطاء المهنية التي وقع فيها الكاتب هنا، و التي سنشير إليها ببحثنا هذا، إلا أنه لابد من التنويه سلفاً إلى أن غياب شهادة العميد رفعت الأسد عن البحث قد أوقع الكاتب بخطأ مهني كبير حيث أنه محور البحث و الشخصية الأهم فيه.

كما تعاملنا مع ما كتبه طلاس عن أحداث عام 84 فإننا سنواكب ما كتبه الكاتب و نتقيد بما ورد بالنص دون الدخول بتفاصيل جانبيه


في الثاني عشر من تشرين الأول / نوفمبر عام 1983، و بعد أن أشتغل الأسد في مكتبه في الطابق الثاني بمنزله، شعر بأنه ليس على مايرام. فصعد إلى الطابق العلوي و أوى إلى فراشه، و لكنه لم ينم جيداً. و في الصباح اتصل بطبيبه هاتفياً. و بعدما فحصه الطبيب استدعى طبيباً آخر

لإبداء رأي ثان. فنصحاه بالمعالجة الفورية لشكهما في أن العلة في القلب (1).

و نقل الأسد إلى مستشفى الشامي بدمشق حيث وضع تحت العناية المشددة. و رغم أن المختصين قد اكتشفوا بعض الاضطراب في نبضات قلبه،
كان يشكو من السكري منذ زمن طويل، و مما جعله يتفاقم هو حبه للحلويات. و مان في شبابه يشكو صداعاً و توتراً في العين. غير أن هذه الشكايات كانت أشياء قد تعود على التعايش معها. و الحقيقة أن الطيار الذي كان سليماً ذات يوم قد أضرت بصحته أعوامٌ من الوجبات غير المنتظمة،

و نقص في الهواء الطلق و التريض، و عمل دؤوب لا يهدأ و لايستكين. و نجم عن حياة الجلوس توسع في أورته أصابه بالدوالي، و قد أجريت له عملية. و لذا خشي الأطباء أن يحدث التهاب في الأوردة. غير أن السبب الحقيقي لانهياره كان هو الإرهاق. لقد كان الأسد ببساطة متعباً

للغاية. و فجأة ابتعد عن المسرح الرجل الذي ظل حاكماً سوريا طيلة ثلاثة عشر عاماً.
و نصحه الأطباء بالراحة التامة، و أعطوه مسكنات قوية ليفرضوها عليه. و شعر الأسد، الذي نادراً ما تناول أية أقراص منومة، بدوار جعله غير مستقر. و أدى هذا العجز، مضافاً إلى إغلاق أطبائه الباب حتى في وجه ذوي أعلى المناصب في نظامه، إلى أقصى درجات القلق و إثارة

المخاوف. و أصيب المقربون منه بالذعر لأنهم أصبحوا بلا قائد، فراحوا يحاولون كسب الوقت فأعلنوا للناس بطريقة ضعيفة غير مقنعة أن الرئيس يعالج من التهاب الزائدة الدودية. ذلك أن الهيكل الذي كان قد بناه، و الذي كان يعتمد عليه كلياً، قد تعرض لخطر الأنهيار.

و قد أنهار الأسد في أوج المعمعة متعددة الأطراف في لبنان. فقبل ذلك بأقل من ثلاثة أسابيع كان جنود البحر الأمريكيون قد قتلوا بالجملة، و بدا أن الانتقام من سوريا لن يتأخر كثيراً لأنها اعتبرت شريكاً في ذلك الهجوم. و كانت الطائرات الأميركية تحلق فوق المواقع السورية في جبال

لبنان. و كان الأسطول الأميركي الضخم، بما فيه حاملة الطائرات الهائلة "نيوجرسي"، قد استخدم مدافعه ضد حلفاء الأسد في محاولة لتحديه بالتحديق فيه وجهاً لوجه. و عندما شرع الأسد يشدد الضغط على أمين الجميل لإرغامه على إلغاء الأتفاق، بدت الحرب الساخنة مع الولايات

المتحدة شيئاً وارداً، بل و محتملاً جداً. و في ذلك الوقت بالذات و قع يوري اندروبوف، الزعيم السوفياتي الذي أعطى للأسد أسلحة و ضمانات على نطاق لم يسبق له مثيل، فريسة مرض ميؤوس من شفائه.

و في 11 / تشرين الثاني - نوفمبر، عاد وزير الخارجية خدام من موسكو بعد أن توقف فيها ليلة واحدة و معه الخبر الكئيب بأن اندروبوف على فراش الموت و أن الكرملين ليس في وضع يسمح له باتخاذ قرارات جريئة أو عاجلة. و هكذا تعرض للتهديد موقف الأسد الرادع ضد

إسرائيل. و لا شك في أن قلقه على اندروبوف قد أسهم في عدم صموده أمام المرض هو الآخر (2).

و لم تكن أميركا هي العدو الوحيد الذي تصارعه سوريا في ذلك الوقت. فإسرئيل كانت تشدد غاراتعا الانتقامية على البقاع و على طول طريق بيروت-دمشق عقب نسف مقر قيادة المخابرات الإسرائيلية في صور في أوائل تشرين الثاني / نوفمبر حيث قتل تسعة و عشرون شخصاً.
و أدان الرئيس الفرنسي ميتران التدخل السوري في لبنان و أكد أنه سينتقم لحادث نسف مقر الوحدة الفرنسية بسيارة مفخخة، و الذي وقع في نفس يوم الهجوم على جنود البحرية الأميركيين.

و في طرابلس كان صدام الإرادات البالغ العنف و الشراسة بين عرفات و منشقي فتح الذين تدعمهم سوريا قد وصل إلى ذروته. و كان المنشقون قد اجتاحوا مخيم النهر البارد، معقل عرفات، حيث سقط ضحايا بالمئات. و لتشديد الحصار أشعلت المدفعية السورية النار في مصافي النفط و

المرفأ فسببت أضراراً تقدر بعشرات الملايين من الدولارات. و بحصر عرفات في مخبئه بطرابلس تعرضت دمشق لضغط عربي شديد لوقف هذا القتال المخجل بين العرب. غير أن الأسد كانت لديه كراهية لا تعرف الصفح ضد زعيم المنظمة، و كان مصمماً على قذفه في البحر.

و في لبنان ككل، كان النظام الإسرائيلي قد تم دحره، و لكن النظام السوري لم يكن قد فرض هناك بحال من الأحوال. و قد اجتمعت في جنيف حفنة من الشخصيات اللبنانية القيادية، موارنة، و سنّة، و شيعة، و دروز في "مؤتمر للوفاق الوطني" من 31/10 إلى 8/11/1983

في محاولة يائسة لتجميع شمل بلدهم الممزق مرة أخرى. و كان الجميع قد اعترفوا بأن سوريا هي سيدة الحلبة، و قرروا مراعاة لها أن يعيدوا التأكيد على هوية لبنان العربية و أن يجعلوا إنسحاب إسرائيل من الأولويات الوطنية. و لكن - كما قال خدام للأسد عند عودته من جنيف - كان

ديفيد كيمحي (الذي تسميه إسرائيل: المستر لبنان) يترصد خلف الكواليس و في الأروقة، و كانت القوات اللبنانية، عميلة إسرائيل، قد رفضت قرارات المؤتمر. و في تلك الأثناء كانت بيروت على أرض الواقع تحتوي كل شيئ و أي شيئ ما عدا الوفاق و الإنسجام: فقد استمرت بلا هوادة

عمليات الخطف، و المناوشة، و القصف بين شطري بيروت، بين الموارنة و الدروز، و بين الرئيس الجميل و أعدائه. و مع ذلك فقد كانت سوريا تكسب بلا شك. و كان من المتوقع وصول الجميل نفسه إلى دمشق في 14 / تشرين الثاني - نوفمبر للإعتراف علناً بأن الإتفاق الذي وقعه مع

إسرائيل في 17 / أيار - مايو بات لاغياً و باطلاً.

و قد وقع الأسد فريسة المرض في هذه اللحظة، عشية انتصاره الذي قاتل من أجله بقوة. و هكذا بقي كل شيئ بالميزان. و اضطر خدام و هو مهموم و متكدر إلى الاتصال هاتفياً بالجميل طالباً منه تأجيل رحلته بسبب التهاب "الزائدة الدودية" للرئيس السوري. و لكن هذا العذر لم يصمد

طويلاً، إذ سرعان ما نبشت الصحف الأجنبية كون زائدة الأسد قد أزيلت قبل ذلك بعشرين عاماً.

و أمضى الأسد أكثر من أسبوعين في المشفى قبل أن ينتقل إلى فيللا خاصة في الغوطة - حزام دمشق الأخضر - لقضاء فترة شهر للنقاهة.
ورغم أن الأطباء لم يستطيعوا تشخيص أي مرض محدد لديه، فقل ظل يشعر بضعف شديد. و نظراً لأن وقت انهياره قد صادف أوج النضال ضد إسرائيل و الولايات المتحدة فقد ثارت لدى المسؤولين عن سلانته شكوك في أنه ربما سقط ضحية هجوم غادر خفيّ.
و هكذا تم خلال فترة نقاهته في الريف تغيير جميع طاقمه الشخصي، من طباخين و خدم و ممرضات، بل لقد تم تغيير أثاث المنزل و الأشياء المتواجدة حول الأسد. و كان من المحتوم أن تظل صحته موضوعاً لكثير من الأقاويل و الشائعات. فقد أشيع مثلاً أنه أصيب بشلل نصفي و بأنه تلقى

رصاصة في صدره على يد قاتل حاول اغتياله. و أدت السرية المعتادة في سوريا إلى تغذية الإشاعات. غير أن بقاء الأسد بعيداً عن الأنظار جعله يراقب الأصداء و التموجات و يثير البلبلة في صفوف خصومه. و في الوقت المناسب، و لتهدئة الرأي العام المحلي عرض التلفزيون العربي

السوري فيلماً عن الأسد في أحد الإجتماعات في 27 / تشرين الثاني - نوفمبر، و بعد ثلاثة أيام عُرضت قصاصة فيلم آخر ظهر فيه الأسد و هو يفتتح جسراً جديداً في دمشق.

الخوف من مؤامرة أميركية

و أدت هذه اللقطات التي حاولت الإيحاء بأن كل شيئ مستمر على مايرام إلى اسدال حجاب ليس على صحة الأسد التي كانت لا تزال غير مستقرة فحسب، بل و على الدمدمات الأولى لصراع داخلي على السلطة (3).
و لم يُصعق أحد بمرض الأسد كما صُعق أخوه رفعت، السيد الحامي للديار الذي بدا - بعدما أمضى في المشفى ثلاثة ليال بلا نوم - مرهقاً أكثر من أخيه نفسه.
و من سريره أرسل الأسد تعليماته بتشكيل لجنة من ستة أشخاص عهد إليها بتسيير القضايا اليومية، و قد شملت كلاً من خدام (وزير الخارجية) و الأحمر (الأمين العام المساعد للقيادة القومية للحزب) و طلاس (وزير الدفاع) و الشهابي (رئيس الأركان)، و الكسم (رئيس الوزراء) و

مشارقة (الأمين المساعد للقيادة القطرية). و لكن رفعت، الذي كان أقدم من بعضهم، و أقوى من أي منهم، لم يكن من بين أعضاء اللجنة المذكورة التي كلف الكسم برئاستها رغم امتعاض بعض أعضائها.

- ربما يكون من الضروري أن نتوقف هنا قليلاً كي نتعرف على أسباب تشكيل هذه اللجنة. الكاتب يقول أن الغرض من تشكيلها هو تسيير القضايا اليومية.

و السؤال الذي يطرح نفسه هنا:
ماذا كان يفعل أعضاء هذه اللجنة قبل تشكيلها؟  ألم يكونوا هم أنفسهم معنيين مباشرة بتسيير القضايا اليومية؟

سيقول أحدهم: إن الرئيس كان في وضع صحي حرج و قد شكل اللجنة لإدارة شؤون الحكم و اتخاذ القرارات الملحّة على الصعيد الداخلي حيث أنه لم يكن هناك من يشغل منصب نائب الرئيس بعد.

سنقول نعم، نوافقك على ذلك. و لكن طالما أن هذه اللجنة هي مكلفة بإدارة شؤون الحكم في البلاد، كيف سيتسنى لقرارات هذه اللجنة أن تجد طريقها للنفاذ - في دولة يحكمها العسكر - إذا ما عرفنا أنه يوجد في سوريا قائد عسكري، من خارج هذه اللجنة،  يستطيع في أي وقت أن يستخدم

نفوذه، ليس لإلغاء قرارات اللجنة فحسب، بل لإلغاء اللجنة نفسها!!؟. و لك عزيزي القارئ أن تضع العربة قبل الحصان و تخبرنا بعدها كيف كانت رحلتك!

الأمر لا علاقة له بأن نقول: "إن الرئيس أستبعد العميد رفعت من اللجنة لأنه أخيه و لا يريد أن تُؤخذ هذه عليه" فالأمر مختلف تماماً، لأن العميد رفعت الأسد لم يكن الرجل الأقوى بالبلد لأنه شقيق الرئيس، بل اكتسب قوته بعمله و جهده و عرقه، و هو الذي أمّن استقرار النظام و استمراره،

و هذا أمر واقع لا يمكن تهميشه أو إغفاله بحال من الأحوال. و حتى إذا استثنينا العميد رفعت، فما الذي يمكن لهذه الجنة أن تفعله في حال اتفق قادة آخرين، كقائد الوحدات الخاصة و قائد المخابرات الجوية و رئيس المخابرات العسكرية، على إجهاض قراراتها؟

إذاً دعونا نقرر أن اللجنة لم تكن تملك القرار، و أن نجاح عملها كان - عملياً - مرهون بمشئية القادة العسكريين و بالتحديد العميد رفعت الأسد. مما ينفي القول أن هذه اللجنة كانت ستمثل أي صمام أمان لمستقبل سوريا في حال حدث مكروه للرئيس. و هذا الأمر بالتأكيد لن يفوت الرئيس

حافظ الأسد. فهل أخطأ الرئيس؟

إن الأحتمال الوحيد هنا، الذي ينفي وقوع الرئيس الأسد بخطأ كهذا، هو أن نقول أن الرئيس كان مطمئناً على وضعه الصحي و كان يعلم أنه سيتمائل للشفاء قريباً. مما يؤكد أن هذه اللجنة لم تكن سوى إجراء قد قام الرئيس به لغاية لم يعلمها حينها إلا الله عز و جل و الرئيس.

على كل حال، الكثيرين منا لا يستطيون التكهن، على الأقل الآن، بالأسباب التي دعت الرئيس الأسد لتشكيل لجنة كهذه. أما العارفين بخبايا الأمور، و البعض ممن لديهم هواية حل الألغاز فإنهم سيسارعون للربط بين وهمية هذه اللجنة و بين عملية استبعاد العميد رفعت الأسد عنها.

ثم وقعت حادثة ما كان يمكن تصور وقوعها  لو كان الأسد واقفاً على قدميه. فقد خشي أقوى قادة البلد العسكريين أن يكون الأسد على وشك الموت، و فزعوا من التغييرات المحتملة التي قد تنجم عن غيابه، فاتجهوا إلى رفعت بحثاً عن قيادة (4)، ربما لأنهم رأوا أنه أفضل من يحمي نظاماً

انتعشوا فيه طيلة عقد من الزمن أو يزيد. و باعتبار أنه شقيق الأسد، فقد كان رمزاً للاستمرارية، ثم أنه كان يقود أقوى قوة ضاربة، أي أنه كان دعامة النظام. فقد انتصر في الحرب ضد الأخوان المسلمين، أكبر خطر داخلي كانوا قد واجهوه جميعاً. و قبل كل شيئ كان أبرز أقطاب الدولة،

و لذلك يمكن الاعتماد عليه في ترك المناصب و (الاقطاعيات) الأخرى سليمة لأصحابها، مثل أجهزة المخابرات، و الفرق المدرعة، و مشاريع الدولة، و أطقم الصواريخ، و ما شاكل. و كان آخر شيئ يرغب كبار الضباط في رؤيته هو انتقال الخلافة إلى لجنة الستة من موظفي الحكومة و

الحزب التي عينها الأسد. فقد كانوا يرون أن أعضاء هذه اللجنة ليسوا أكثر من موظفين تنفيذيين موهوبين، و رجال واجهة، و ليسوا (الأساطين) و (الدعائم المثبة) للنظام كما كان القادة الميدانيون و قادة المخابرات يرون أنفسهم. و عندما ذعروا من الفراغ الذي وجدوا أنفسهم مهددين في

مواجهته، فإنهم أي (الجنرالات)، قلبوا ترتيبات الأسد رأساً على عقب.

و بناءً على تحريضهم، قام الشهابي و خدام بزيارة رفعت في منزله في المزة ليخبروه بأن رجلاً في مثل أهميته لا يمكن إبعاده في مثل تلك اللحظات المتأزمة عن الهيئات أو المجالس الحاكمة للبلاد. و قال رفعت إنه يجب أن يمتثل لرغبات الرئيس، و لكنه سرعان ما اقتنع. ثم عقد اجتماع

كامل للقيادة القطرية، بحضور تسعة عشر عضواً و غياب الأسد نفسه، و وزير إعلامه أحمد اسكندر أحمد الذي كان على فراش الموت بسبب ورم بالمخ. و قررت القيادة أن تجعل من نفسها بديلاً للجنة الأسد السداسية. و كانت هذه طريقة أنيقة متقنة لجلب رفعت إلى مركز الأمور.

و كان نجاح هذه المناورات مرهوناً باستمرار مرض الأسد. و لكن صحته كانت آخذة في التحسن. و عندما علم بما حدث، و هو في فترة النقاهة، شعر بالسخط الشديد. لأن أي انحرف عن الطاعة الكاملة الخالية من أي تساؤل كان يثير شكوكه. فاستدعى كبار ضباطه و وبخهم على الابتعاد

عن تنفيذ رغباته الصريحة و بذلك فتحوا الباب لأخطار غير متوقة: أوَلم يروا أن دفع رفعت إلى المقدمة كان خطة أميركية - سعودية لازاحته عن الحكم؟

- مسكين باتريك سيل... قادة البلد لم يتوجهوا إلى العميد رفعت لأنهم رأوا أنه أفضل من يحمي النظام فقط. بل لأنهم كانوا يعلمون أن العميد رفعت كان قادراً - ليس فقط على عرقلة قراراتهم - بل حتى على عزلهم من مناصبهم أيضاً.

و على هذا، فإن القادة العسكريين و المسؤولين، بما فيهم أعضاء اللجنة التي شكلها الرئيس، أدركوا أنه لن يكون لهذه اللجنة أية قيمة حقيقية على أرض الواقع إلا إذا انضوت تحت جناح العميد رفعت، و قد تهيأ لهم أن قرار الرئيس، كما بدت أسباب صدوره لهم، بتشكيل لجنة ليس فيها العميد

رفعت كان قراراً خاطئاً.

و حتى لا نضع كل المسؤولين في سلة واحدة فإنه لا بد من التمييز بين دوافعهم التي حركتهم آنذاك. فبين مؤيد للعميد رفعت بغض النظر عن احتمال شفاء الرئيس، و بين مراهن على تدهور صحة الرئيس، نستطيع تمييز نوعين من الدوافع التي حركتهم لتأييد العميد رفعت:

البعض كانوا يرون في العميد رفعت القائد الأنسب لسوريا من حيث أنه صاحب الشعبية الأكبر في البلد و يتمتع بكل المزايا التي تؤهله لإدارة الحكم فيها.

أما البعض الآخر فكانوا يرون أن العميد رفعت هو الأكثر قوة، و باستقراء المستقبل وجدوا أنفسهم كمن قيل لهم: "سوف أجعلكم تدفعون ثمن أي سعادة تنالوها من دوني". و لأن الفارق بين قوة العميد رفعت، العسكرية و الشعبية، و قوة أي ممن يليه من رجالات الحكم كان شاسعاً جداً، فلم

يكن يوجد أي احتمال للمنافسة. و هكذا حظي العميد رفعت بتأييد الجميع.

إلا أن العميد رفعت رفض هذا الأمر و طالب أعضاء اللجنة أن يقوموا بواجبهم. و الذي حصل فعلاً و لم يذكره الكاتب هنا هو أن عبد الحليم خدام و الشهابي، و إمعاناً منهما في طلب موافقة العميد رفعت على قبول القيادة، قد قالوا له: "نحن لن نعقد أي اجتماع لهذه اللجنة ما لم تكن أنت

على رأسها". و هذا هو السبب الذي جعل العميد رفعت يوافق على رئاسة اللجنة، إذ ليس من المعقول أن يتهرب من أداء واجبه الوطني.

يقول الكاتب "إن هؤلاء (الجنرالات) قد قلبوا ترتيبات الأسد"، و نحن نسأله: هل تم هذا فعلاً؟.

أما بخصوص الخطة الأميركية فدعونا نكمل ماكتبه عنها الكاتب و من ثم نضعها تحت المجهر

ولكن كيف توصل الأسد إلى هذا الاستنتاج المفاجيء المذهل؟

في تلك الأسابيع القلقة العصيبة كان الهمّ الأكبر هو الحرب من أجل لبنان. وبينما كان الأسد قيد المعالجة أهمل متابعة القضايا المحلية، ولكنه أصر علي متابعة الأزمة اللبنانية بالهاتف ساعة بعد ساعة. وقد لاحظ أن إسحق شامير قد عاد من زيارة لواشنطن في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر

1983 ويده مليئة باتفاقيات تؤذن-حسب كلمات شامير نفسه- (ببدء مرحلة جديدة من العلاقات الإسرائيلية-الأميركية). فقد تم الاتفاق على اجراء مناورات مشتركة أميركية - إسرائيلية، وعلى تخزين معدات اميركية في إسرائيل، وعلى رفع الحظر عن تصدير القنابل العنقودية، وزيادة

المعونة العسكرية. وبدا كأنما كان ريغان وشولتز يرغبان في تعويض إسرائيل عن الاتفاق الذي أجهض. وفي الوقت نفسه أصبحت الاتهامات الأميركية لسوريا (ولاسيما على لسان كاسبر واينبرغر) أكثر صراحة في الزعم بأن سوريا قد لعبت دوراً في مذبحة جنود البحرية الأميركيين.

وعندما أسقط المدفعيون السوريون طائرتين اميركيتين في4 / كانون الأول- ديسمبر 1983 وتم أسر طيار أميركي، كان الأسد متأكداً أن الولايات المتحدة ستسعي لمعاقبته.

الأخ الأصغر

احتفظت العلاقة بين الأسد وأخيه رفعت بشيء من النمط الذي كان قائما في طفولتهما عندما كان الأخ الأكبر- عبر فجوة السنوات السبع التي تفصل بين عمريهما - يرغم أخاه المتمرد الأصغر على احترامه. وكان في رفعت شبه بأخيه يلفت النظر، فله نفس البنية الثقيلة، ونفس التعبير الملغز

الذي لا يخلو أحياناً من الدعابة، غير أن شخصيتهما كانتا مختلفتين. فقد كان الأسد جاداً أو متروياً، أما رفعت فكان ميالاً للمتع ومندفعاً، ومع ذلك فله ذكاء لماح. وكان يضحك أكثر من أخيه بكثير وكان حسب تقاليد شيوخ العرب كريماً إلى حد الافراط. وبينما كان الأسد الملتصق بكرسيه

مشغولاً استغرقته شؤون الدولة كلياً، ولا سيما الشئون الخارجية، انهمك رفعت في بناء وتنظيم أتباع مخلصين له في سرايا الدفاع وفي البلد. وكان يمارس سلطات مطلقة، وقد أثرى هو و أصدقاؤه الحميمون، كما كان يذهب في مهمات سرية إلى الأصدقاء والأعداء على السواء، ويشترك في

مشاريع أخرى يحيط بها الظلام والضباب في عالم السياسة والتجارة في البلاد العربية.

وعلى عكس كثير من الإمَّعات في بطانة الأسد، كان رفعت يستطيع الادعاء بحق بأنه شاطر أخاه السلطة. وخلال إنشقاق الحزب في عام 1966 كانت قوة الأمن التي يترأسها رفعت هي التي قبضت علي أمين الحافظ ومحمد عمران. وفي عام 1969 دَحَرَ مديرَ مخابراتِ صلاح

جديد، عبدَ الكريم الجندي. فمهد بذلك الطريق لاستيلاء الأسد على السلطة و قد ساعد على سحق التمرد الاسلامي مابين 1980 و 1982، وربما أنقذ بذلك نظام حكم أخيه.

كانت هذه هي مؤهلاته وأوراق اعتماده. غير أنه بعد أن انتصر علي اولئك الأعداء الكثيرين شرع يملي قوانينه وتعليماته الخاصة به. وكانت له ذراع طويلة تمتد إلى مصالح في كثير من أنحاء البلد، وعبر الجبال إلي لبنان. وأصبحت سراياه جيشاً خاصاً سريع الحركة قوامه خمسة وخمسون

ألف رجل. وله دروعه الخاصة به، وكذلك مدفعيته، ودفاعه الجوي، وأسطوله من المروحيات الناقلة للجنود. وبذلك كانت سرايا الدفاع ندّاً لأية وحدة سورية. وأثارت رواتب رجالها وامتيازاتهم حَسَدَ بقية الجيش.

وكان رفعت يشارك صديقه وراعيه الأمير السعودي عبد الله في تذوقه لمتع الصيد، والنساء، ولعب دور الزعيم الكبير. وكانت زيارات الأمير عبد الله لدمشق مناسبات تقام فيها حفلات تستغرق الليل بطوله وتلعب فيها دور النجمة راقصة هز البطن الأميركية تامارا في أوائل

عام1984. ولعل تأثير الأمير عبد الله جعله يفكر في سلالة العائلة، فتزوج أربع نساء، وأنجب سبعة عشر ولداً. وكان يغرس الولاء له والإعجاب به في نفوس أتباعه. أما في خارج دائرته المسحورة المبهورة به فقد كان يثير الغضب والخوف على نطاق واسع. وكان ذوقه في (تحديث)

البلاد يثير أحياناً مشاعر خطيرة من الغضب والمهانة، كما حدث في عام 1983 عندما راحت المظليات التابعات له يخلعن المناديل عن وجوه النساء ورؤوسهن في الشوارع مما أرغم الأسد على استنكار هذا التطرف والتبرؤ منه علناً.

وغالباً ما كان الأسد يستخدم رفعت. ولكن بما أنه لم يكن لديه كبير ثقة في حسن تقديره فمن غير المحتمل أن يكون قد فكر فيه كخلف له. كرس الأسد حياته للدفاع عن خط سياسي معين يتعلق بكيفية إدارة الصراع مع إسرائيل. ولم يكن ليثق بترك هذا الإرث وديعة بين يدي أخيه. وكان

يكره طريقة حياة أخيه الباذخة (وكذلك كانت تكرهها زوجة الأسد، المتحفظة، والمؤثرة) ويكره نقطة الضعف فيه تجاه أميركا، حيث كان رفعت قد اشترى بيتاً بمليون دولار، وكان لا يثق بكثير من اصدقاء رفعت الأجانب، بما في ذلك صداقاته مع ياسر عرفات ومع الحسن ملك المغرب،

الذي كانت اتصالاته السرية بإسرائيل قد زكمت فضائحها الأنوف.

والخلاصة أن الأسد، في اعتقاده بأنه مهدد من قبل أعدائه الغربيين، ومن قبل إسرائيل والدول العربية المعتدلة، بدأ يري في رفعت شرخاً في درعه. فالأخ الذي كان ذات مرة مفيداً، ثم ضرورياً، ثم مصدر حرج، قد أصبح الآن خطراً.

ومن الإنصاف القول بأن من غير المحتمل أن يكون رفعت قد تطلع جدياً للحكم مكان أخيه، ومن الناحية النفسية فإنه كان يتوق بدلاً من ذلك إلى اعتراف أخيه بأهميته، وهذا شيء كان يشعر بأن الأسد قد أنكره عليه منذ أيام طفولته.

وكان رفعت يرغب طبعاً في أن يعيش حياة الثراء والوفرة الباذخة بدون عقبة أو عائق، كما يليق بأحد أعضاء أسرة حاكمة. ولكنه أساساً كان يريد أن يقبله الأسد كشريك ويطلق يده في التصرف على الجبهة الداخلية. ولكن عندما مرض الأسد في تشرين الثاني / نوفمبر، وتجمع كبار

الضباط والقيادة الحزبية خلف رفعت، أساء الأخير فهم هذه الإشارة واعتبرها تعني ولاءً له والتزاماً كلياً بقيادته. وبما أنه كان ميالاً للتزعم والسيادة بطبيعته فقد بدأ يتصرف بكل التوكيد والإصرار على إثبات زعامته كوريث شرعي. فبدأ يضغط من أجل إستقالة رئيس الوزراء وتشكيل

حكومة جديدة. وفجأة ظهرت في كل مكان من العاصمة صور تظهره في أوضاع قيادية آمرة وقد ارتدي زيّ المظليين.
ولكنه سرعان ما أفاق من هذا الوهم. فلم يكد الأسد يظهر علامات الشفاء من مرضه حتى تلاشى التأييد الذي كان قد تجمع حول رفعت. فالجنرالات، الذين كانو في توجهاتهم رهن إشارة الأسد، توقفوا عن الاعتقاد بأن رفعت قادر على حماية مصالحهم، وشرعوا يرون فيه بدلاً من ذلك

تهديداً للبلد ولأنفسهم. وإذْ شكّوا في أنه كان يخطط فعلاً ليحل محل أخيه ويتسلم السلطة، فقد بدأوا يضعون في طريقه العراقيل.

وكان عليهم أن يقوموا بذلك سراً وبتحفظ لأن رفعت كان لديه جيش حقيقي. فألويته الأربعة المتفوقة المنتقاة (ثلاثة ألوية مدرعة، و لواء مؤلل) كانت كلها على بعد خمسة أميال فقط من دمشق، تسيطر على مشارفها بالدبابات والمدفعية، بينما كانت قوات الجنرالات الآخرين بعيدة عن ذلك في

الخارج. فلم يكن التحدي المباشر وارداً أو ممكناً. ولعله كان هناك سب آخر للحذر، لأن الجنرالات لم يكونوا متأكدين من مدى عمق واستمرار المرارة بين الأسد ورفعت: أكان هذا شجاراً عائلياً سوف يتلاشى، ويترك أي شخص ينحاز إلي أي من الجانبين مكشوفاً؟؟ وهل كان القائد يمتحن

ولاء ضباطه؟

يقول الكاتب لنا أن كبار الضباط و القيادة الحزبية قد تجمعوا حول العميد رفعت عندما مرض الرئيس، و من ناحية ثانية يقول لنا أن العميد رفعت قد أساء فهم هذه الإشارة واعتبرها تعني ولاءً له والتزاماً كلياً بقيادته!!

دعونا نطرح على أنفسنا سؤال بسيط: ما الذي ينتظره المرؤوسين عادة من قائدٍ قد ألتفوا حوله بإرادتهم، أليس القيادة؟

و أيضاً يقول "من الإنصاف القول بأن من غير المحتمل أن يكون رفعت قد تطلع جدياً للحكم مكان أخيه" و بعد ذلك نراه يردد كلام من وصفهم بالإمَّعات و يقول أن العميد رفعت "قد بدأ يتصرف بكل التوكيد والإصرار على إثبات زعامته كوريث شرعي".

ما الذي يريده باتريك سيل من جمع هذين النقيضين على صفحة واحدة، و هل من المنطق أن نقول: إن فلان من الناس بريئ إنصافاً إلا أن تصرفاته تثبت العكس!!؟؟

الحقيقية هي أن باتريك سيل أراد أن يوصل للقارئ وجهة نظره، التي بناها على أدلة إثبات لا تقبل الشك و لا الطعن، و التي تنفي عن العميد رفعت تهمة التعدي على منصب الرئيس. و في الوقت نفسه لا يُمكنه ككاتب محايد إلا أن يُوصل للقارئ أيضاً ما سمعه من بعض الفاسدين من رجالات الحكم.

فالكاتب يرى أن العميد رفعت الذي مهَّدَ الطريق لأخيه للإستيلاء على السلطة، و ساعد على سحق التمرد الاسلامي مابين 1980 و 1982، و سهر الليالي بالقرب من سرير أخيه المريض، لا يمكن أن يستغل فترة المرض هذه للإنقلاب على الرئيس.

بالإضافة إلى أن استطراد الكاتب بتفصيل قدرات العميد رفعت العسكرية لم يكن إلّا رسالة للقارئ مفادها أن العميد رفعت، لو أراد الإنقلاب على الرئيس فعلاً، فإنه لن يهدر الوقت بتغذية الشائعات قبل الإنقضاض بغتة على منصب الرئيس، سيما و أن جيشه الأقوى على الساحة كان على أتم الإستعداد لتنفيذ أوامره.

أما بالنسبة لأقوال الآخرين فإننا نقول: لا تُأخذ الأمور بظواهرها، فالذي أساء فهم الإشارة ليس العميد رفعت على الإطلاق، بل الذين حكموا على الأمور من خلال ظواهرها هم من أساؤا الفهم. فالكل كان يعلم حدة المخاطر التي واجهتها سوريا في السابق، و عندما مرض الرئيس ازدادت الشائعات حول مرضه، و حصل أن ظهرت بعض بوادر الإنشقاقات في صفوف رجالات الحكم، و حصل أيضاً أن كانت هناك تخمينات باحتمال عودة الإضطرابات الداخلية لسوريا، فكان لابد من توصيل رسالة مفادها أن الحكم لم و لن يهتز لمرض الرئيس و أن القيادة مستمرة.

و على هذا، و إن كان السوريون قد ألفوا وجود صور العميد رفعت في أماكن شتى من أنحاء سوريا قبل مرض الرئيس بسنوات، و أيضاَ و إن كنا نعتقد بوجوب زيادة عدد هذه الصور عندما مرض الرئيس، إلا أننا نؤكد للسادة القراء أن الذين قاموا بنشر الصور هم ضباط من القصر الجمهوري و شعبة المخابرات العسكرية. و هم قاموا فعلاً بتمزيق صور الرئيس و إلصاق صور العميد رفعت بجانب الصور الممزقة ليقولوا للرئيس لقد قام جيش العميد رفعت بتمزيق صور سيادتك و رفع صور قائدهم بدلاً منها. و ذلك بسبب الحسد و الحقد الشديد الذي يكنوه لسرايا الدفاع و قائدها، و قد أشار الكاتب لذلك. و للأسف فقد أنطلت هذه اللعبة على أولاد الرئيس حافظ الأسد و نزلت أبنة الرئيس السيدة بشرى الأسد إلى الشارع و أخذت تُمزق صور عمها العميد رفعت التي كانت منشورة في شارع يقع ضمن نطاق إحدى دوريات سرايا الدفاع، فقام عناصر الدورية باعتراض عملها هذا و مصادرة أسلحة مرافقتها.

نأتي لما ذكره الكاتب عما حدث في عام 1983 عندما راحت المظليات يخلعن المناديل عن وجوه النساء - كما يقول الكاتب - لنؤكد أن هذا الأمر لم يتم كما يرويه باتريك سيل أو كما أذاعه الخبثاء الحاقدون على سرايا الدفاع. فبالإضافة إلى أن السوريات هم أمهاتنا و اخواتنا فإن ما كان يميز سرايا الدفاع عن غيرها من وحدات الجيش الأخرى هو إنضباط عناصرها الشديد و عدم التصرف بشكل أرتجالي دون أوامر القيادة. و لتوضيح ما ذكره الكاتب نقول: كلنا نعرف ما تعرض له السوريون من هجمات دامية على يدي بعض الحاقدين في ذلك الوقت، و للأسف كان الكثيرين منهم يتنكرون بزي النساء ليتسنى لهم التنقل بحرية دون أن يتعرض لهم أحد. و عندما أكتشفت قوات أمن سرايا الدفاع هذا الأمر قامت بتزويد كل دورية من دورياتها بفارستين من فارسات قوات أمن السرايا و ذلك كي يقمن بإجراءات التفتيش الأمني للنساء المحجبات و غير المحجبات إحتراماً من قيادة أمن قوات السرايا للأخوات و الأمهات السوريات و قد لاقى هذا الأسلوب الحضاري الكثير من الترحيب من قبل أمهاتنا و أخواتنا السوريات فلماذا نتلقف الأخبار المسيئة و لا نذكر الآثار الإيجابية؟ و هذا الأمر - أي أن تقوم النساء بتفتيش النساء - هو أمر عادي جداً و إينما ذهب المسافر عبر العالم فإنه سيجد أن هذا الإجراء يُنفذ في كل مطارات العالم و في كل الأماكن التي تتطلب إجراءات أمنية مكثفة. و قد كانت دمشق بأمسِّ الحاجة للإجراءات الأمنية المشددة. و نحن كفرسان سرايا الدفاع نؤكد أننا لم نتلقى أي أمر من نوع (أخلعوا حجاب النساء في الشارع) و لم نسمع أن أمراً كهذا صدر لأي من فارسات سرايا الدفاع. ربما يكون قد حدث أن قامت إحدى السيدات برفض إجراءات التفتيش فقامت إحدى الفارسات بإجبارها على ذلك، و قصة كهذه إذا حدثت (رغم كونها عادية) فإنها تسري في المجتمع السوري المحافظ كما تسري النار في الهشيم خاصة و أن فكرة أن تلتحق الفتيات للعمل في الجيش و الأمن كانت فكرة جديدة علينا في ذلك الوقت و كان جميعنا يراقبها بكثير من الفضول.

الآن و بعد مرور 25 عاماً، انظروا إلى العراق و كيف يقوم الرجال بتفتيش النساء، ألم يكن لسرايا الدفاع السبق بالتصرف بالشكل الحضاري مع أمهاتنا و أخواتنا في سوريا؟


عموماً، لقد تعرضت تجربة دورات المظليين و ألتحاق الفتيات السوريات بالعمل العسكري إلى هجمات معادية من جهات عديدة ذلك أن هذا السبق في إعداد و تأهيل و تحصين الشباب السوري أخذ يدق ناقوس الخطر عند أعداء سوريا و قد كان قائد سرايا الدفاع يتابع هذه الهجمات و ينبه إلى مخاطر الإنزلاق اللامقصود وراء الفكر المعادي. سيادته هنا يستعرض واحدة من تلك الهجمات و يشيد بفارسات الوطن و يباهي بهن:

أما عملية الضغط من أجل تشكيل حكومة جديدة فقد قام العميد رفعت بهذا لأن الحكومة وقتها كانت فاسدة فعلاً و لأنه كان تواقاً لتحسين وضع البلد و رفع مستوى معيشة الشعب.

و لقد كان هذا الإجراء مؤلماً جداً لبعض القياديين العسكريين و السياسيين الفاسدين، فقد كان لكل قيادي منهم وزيراً أو وزيرين في الحكومة يعتاش على ما يمكن أنه يمرره من قرارات مدفوعة الثمن في وزاراتهم، و لا أعتقد أننا نفشي سراً هنا.

و الحقيقية هي أن العميد رفعت، الذي لم يكن ليمهل الفاسدين، حتى و إن قدموا له الولاء المطلق، قد رأى فيه المسؤولين الفاسدين خطراً حقيقياً عليهم. و هذا بالضبط ما يفسر عملية أنقلاب هؤلاء عليه بعد شفاء الرئيس.

و لو أن هؤلاء المسؤولين قد رأوا في رفعت الأسد استمراراً لهم - كما عزا الكاتب أسباب ألتفافهم حوله - لما هاجمه واحد منهم على الإطلاق، لا قبل شفاء الرئيس و لا بعد شفاء الرئيس. إذ و الحال هذه لن يختلف الوضع عليهم، إن كان الحاكم هو حافظ الأسد أو رفعت الأسد.

و لا أعتقد أن أعزاءنا القراء من السذاجة لأن يصدقوا أنهم أنقلبوا على العميد رفعت لأنهم شكًوا بأنه خطط للإنقلاب على الرئيس، فهم لم يضربهم أحد على أيديهم ليأتوا و يقدموا الطاعة للعميد رفعت. أو أنهم أنقلبوا لأنهم رأوا فيه خطراً على البلد، فالكل يعلم أن آخر همَّ هؤلاء هو مصلحة البلد. بل هم كانوا و ما زالوا الخطر الحقيقي على البلد. و إلا لماذا كُتب على السوريون أن يتعايشوا مع الفقر في بلد مليئة بالخيرات، كل هذه العقود، لو لم يكن 90% من مسؤولي بلدهم لصوص؟؟

إن هؤلاء المسؤولين الذين انقلبوا على العميد رفعت هم أنفسهم الذين أُطلقت أيديهم على قوت الشعب بعد رحيله، فاحتكروا الزيت و السمنة و الدقيق و الأرز و المناديل الورقية و الكثير من المواد الغذائية و الإستهلاكية. و كلنا نذكر كيف أنهارت الليرة السورية و ازداد الناس فقراً بعد رحيل العميد رفعت عنها.

إننا نؤكد بالأدلة المنطقية التي لا يراودها الشك، أن هؤلاء المسؤولين، الذين أختبروا قيادة العميد رفعت لأسابيع،  أرادوا ضمان المستقبل قبل الحاضر، و لم يكن من سبيل لهذا الضمان إلا إذا غاب العميد رفعت عن الساحة السورية.  فبدأوا بوضع العراقيل في طريقه سراً و بتحفظ.

و لو كانوا حريصون على الرئيس أو على البلد كما يدعون، لهاجموا العميد رفعت قبل شفاء الرئيس. و أيضاً لو لم يكونوا جبناء فاسدون حقيرون، لواجهوه علناً و بدون تحفظات، أليست مصلحة الوطن هي العليا!!؟.

أما العميد رفعت، الذي كان قادراً بأقل من نصف ساعة على استلام الحكم في سوريا، فقد أمر سرايا الدفاع بالإحتفال و بإطلاق النار في السماء ابتهاجاً بشفاء الرئيس، فهل نردد ما قاله المنافقون من أنه أراد الإستيلاء على منصب الرئيس!!

و تعقيباً على آخر فقرة، هل يُعقل أن الرئيس لم يجد إلا طريقة تشكيل اللجنة - التي كادت أن تُشعل حرباً داخلية - ليمتحن ولاء ضباطه!!؟

الهوامش

(1) مقابلة مع الرئيس الأسد في دمشق في 18/3/1984
(2) مقابلة مع العماد مصطفى طلاس في دمشق في 14/5/1984
(3) باستثناء المصادر المنصوص عليها في مكانها، فإن الرواية التالية للأحداث تقوم على أساس شهادة الذين أشتركوا في الأزمة و كذلك ذكريات مراقبين دبلوماسيين يرغبون في أن يظلوا مجهولين.
(4) مقابلة مع محمد حيدر، النائب السابق لرئيس الوزراء للشؤون الإقتصادية في دمشق في 16/4/1984

 

 


وكان من المؤشرات المبكرة على جدّية الأسد قيامه بتأديب واحد آخر من إخوته، وهو جميل، الذي كان معروفاً بأنه قريب من رفعت، وكان في السن يتوسط بين حافظ ورفعت. وقد أصبح السيد المطاع في اللاذقية. وكان بليغاً، وطموحاً، وذا ذهن يتركز تفكيره في السياسة. وقد تخرج

محامياً ولكنه لم يمارس المحاماة. وباعتباره شقيق الرئيس، فقد انتخب عضواً في مجلس الشعب بفارق كبير في الأصوات بالمقارنة مع مرشحين آخرين. وكان من أدوات قوته جمعية الإمام علي المرتضى التي تأسست عان 1981، كتجمع سياسي خلف واجهة دينية. ورغم أنها لم تكن

حركة متينة التركيب إلا أن جميلاً ربما قصد بها أن تكون منافسة لحزب البعث المحلي، ولا شك أنها قد أمدته بشبكة تحت رعايته امتدت إلي ماهو أبعد من المدينة. فكانت عشرات الباصات تنقل مؤيديه إلي اللاذقية من أماكن تصل في بعدها إلى الجزيرة، فكانت تلك الحافلات تصطف أمام

بيته الكبير وحديقته التي كان يحتفظ فيها باصطبل للخيول العربية الجميلة التي كانت أساساً هدايا من شيوخ القبائل. فكان ينحر الخراف لضيوفه ويلقي كلمات وخطباً رنانة. وفي منتصف كانون الأول / ديسمبر 1983 وعندما شفي الأسد من مرضه أغلقت جمعية المرتضي بأوامر من

دمشق وكان ذلك مؤشراً على أن الرئيس كان حاكماً في عائلته.

إحتواء رفعت

وقعت مهمة إحتواء رفعت على عاتق الجنرالات. وكان معظمهم من عوائل علوية فلاحية، وقد وضعهم الأسد - وأبقاهم سنوات - في مواقع ذات نفوذ شخصي كبير. وكان الأسد يحب الاستمرارية وكان من عادته أن يبقي الرجل في المنصب مادام راضياً عن أدائه. وفي قضايا الأمن

والمخابرات، التي هي الجانب الخفي من النظام كان أكثر أتباعه تمتعاً بثقته هم علي دوبا مدير المخابرات العسكرية، ومحمد الخولي، مدير مخابرات القوة الجوية، وفؤاد عبسي مدير المخابرات العامة المدني الذي كان نائبه القوي المسئول عن الأمن هو محمد ناصيف. ورغم تسميات

مناصبهم فإنه لم تكن هناك حدود واضحة بين هذه الأجهزة فقد كانت ثلاثتها مسؤولة أمام الأسد مباشرة.

كان علي دوبا رجلاً طويلاً فاتح اللون من قرية قرفيص يشارك الأسد في مزاجه الدعابي الساخر، وعزوفه عن الاختلاط الاجتماعي وحبه للأدب، وتكتمه المتحفظ، ومزيج القسوة والعاطفة في طبعه.

وكان محمد الخولي أكثر حباً للمسرات من علي دوبا، وأكثر ظهورأ في المجتمع، بينما كان محمد ناصيف متكتماً أكثر من الجميع إلي درجة أنه كان يعيش في مكتبه، وكان واحدأ من القليلين جداً من الناس المسموح لهم بالمبادرة إلي التحدث مع الرئيس الأسد هاتفياً في أي وقت. فبالإضافة

إلي ترؤسه لما كان في واقع الأمر بوليساً سياسياً، كان واحداً من أهم مستشاري الأسد في شؤون الشيعة سواء في لبنان أو في إيران. وكان مقرباً من موسى الصدر والقادة الثوريين الإيرانيين مثل قطب زاده، والطباطبائي. وكان غالباً مايسافر من دمشق إلي بون وسويسرا اللتين كانتا قطبي

الشبكات الإيرانية في الغرب. كان هؤلاء هم الدعائم الخفية الثلاث للنظام يقابلهم الثلاثي الذي يقف إلي جانب الرئيس في العلن والمؤلف من وزير الخارجية خدّام، ووزيرالدفاع طلاس ووزير الإعلام أحمد اسكندر أحمد.

ومن بين الجنرالات الذين تحت إمرتهم وحدات هامة كان المنافس الرئيسي لرفعت هو علي حيدر، قائد القوات الخاصة، وهي تشكيل منتقى من النخبة من قوات المغاوير، تعداد رجاله يتراوح بين عشرة  آلاف وخمسة عشر ألفاً، وقد لعبت هذه القوات، مثل سرايا الدفاع دوراً بارزاً في إخماد

التمرد الإسلامي، وقاتلت في عام 1982 ضد إسرائيل في حرب لبنان. وكان حيدر من قرية حلة عارة، وهي من أعلي الأماكن في جبال العلويين، على مسيرة ساعتين على القدمين من الساحل. وكان مثل الأسد قد انضم إلى حزب البعث قبل أن يدخل الكلية الحربية. وكان من بين

منافسي رفعت الآخرين عدنان مخلوف، وهو ابن عم زوجة الأسد، وتحت إمرته عشرة آلاف رجل من الحرس الجمهوري... كانوا مسؤولين عن الأمن حول القصر الجمهوري في حيّ المالكي السكني الذي كان يعيش فيه علية القوم. وفي مركز مدينة دمشق ككل.

وكان مخلوف قد خدم في الأصل في سرايا دفاع رفعت، ولكنه بعد مشاجرة أعطي إمرة الحرس الجمهوري بناء على اقتراح من قريبه محمد مخلوف شقيق زوجة الأسد. وكان هناك منافس آخر هو ابن عم الرئيس، عدنان الأسد، الذي كان يرأس قوة أمنية أصغر، هي سرايا الصراع.

وبالإضافة إلى ذلك كان هناك أربعة من الجنرالات العسكريين النظاميين يتمتعون بثقة الأسد هو شفيق فياض وإبراهيم صافي قائدا الفرقتين المدرعتين الثالثة والأولي، وعلي صالح آمر أطقم الصواريخ، وعلي أصلان مدير العمليات ونائب رئيس الأركان. وكان فياض رجلاَ خشناَ من قرية

عين العروس، قرب القرداحة، بينما بني صافي نفسه من أصول متواضعة كابن مزارع بالشراكة. أما أصلان فكان يعتبر لدى كثيرين رجلاً رصيناً وواحدً من أقدر أعضاء هيئة الضباط، وله سجل متميز في حرب عام 1973 وما تلاها من توسع دراماتيكي كبير في القوات المسلحة. كان

هؤلاء هم الجنرالات الذين تجمعوا أول الأمر حول رفعت، ثم انقلبوا ضده، والذين بدأوا في مطلع عام 1984 يناورون لإيقافه عن حد.
وقبيل نهاية كانون الأول / ديسمبر عام 1983 شعر الأسد بأنه تحسّن بما فيه الكفاية كي يبدأ برؤية ضيوف أجانب مرة أخري. وعندما قابله صحفيان فرنسيان من مجلة لوبوان الأسبوعية وهو لا يزال يستجم في الغوطة ذكرا في تقريرهما أنه قال: ( لا أزال أشعر بالشباب ولكن جسمي

وقلبي لا يسمحان لي بأن أبقى شاباً بقدر ما أحب ) وهي عبارة أمسك بها البعض وفسروها على أنها تعني أنه قد عانى من نوبة قلبية. وفي اوائل كانون الثاني/ يناير1984 عاد إلى دمشق، وسلّم الطيار الأميركي الملازم غودمان، إلى السناتور جيسي جاكسون، واستقبل وزير خارجية

بريطانيا السير جفري هاو، وتجادل مع المبعوث الأميركي دونالد رامسفيلد في جوٍّ كانت خلفيته تدوي بأصوات قنابل الأسطول السادس.
وفي أذهان هؤلاء الزوار جميعاً كان السؤال: أهذا رجل مريض حقاً؟

عند هذه النقطة من القصة، تزايدت شكوك الأسد قوة، حول وجود مؤامرة اجنبية. كان يخشى ان يستغل اعداءه صحته المعتلة، والانشقاق في النظام الذي كانت السفارات انذاك قد بدأت ترتفع تقاريرها عنه. ولقد تشككت اجهزة مخابراته في ان الملك الحسن ملك المغرب والامير السعودي

عبد الله، يحاولان بمساندة واشنطن سرا، استغلال الانقسامات الداخلية في سوريا للقيام بانقلاب يأتي في توقيته مع استعراض للقوة يقوم به الاسطول الامريكي.

وصدرت الاوامر لعلي حيدر وشفيق فياض بتحريك القوات والدبابات الى العاصمة.

وفي 23 شباط / فبراير، عندما طار الامير الى دمشق ليلقى ترحيبا من جماعة رفعت، يفوق الترحيب الرسمي للكسم رئيس الوزراء، امر الاسد الشهابي، رئيس الاركان، ان يقوم بتسريح العقيد سليم بركات، مدير امن رفعت، وكان الاسد يريد ان يتم خروجه في نصف ساعة. وناشد

بركات رفعت أن يحميه، وتحدث رفعت مع الشهابي هاتفياً ليطلب مهلة قدرها 48 ساعة ولكن الشهابي لم يستطع إلاّ أن يقول بأن أوامر الرئيس كانت واضحة تماماً.

ورفض بركات التخلي عن منصبه و هنا سارع علي دوبا الى ثكنة بركات فاقتحمها بمفرده ودونما سلاح، وانقضّ على بركات وجرده من مسدسه الذي كان يلوح به، ثم صفعه على وجهه واقتاده بعيداً. وبعد بضع ساعات تمكن رفعت من الوصول إلى الأسد على الهاتف، فسأله:

-  ماذا فعلتم (بزلمتي) بركات؟

فرد الأسد باقتضاب: أعتقد اننا قد أعدمناه .

- ولماذا تفعلون ذلك؟

-  لقد أمرت بنقله، ولكنه رفض أن يذهب.

وبعد أيام عثر رفعت على بركات في السجن، فأمّن إطلاق سراحه ودبر له وظيفة أسلم.

- الضباط الذين تجمعوا حول العميد رفعت هم أنفسهم الذين أنقلبوا عليه!!!

لماذا؟

لأنه هكذا، و بدون مقدمات، قد كُتِبَ لأجهزة المخابرات أن تشكك في ان الملك الحسن ملك المغرب والامير السعودي عبد الله، يحاولان بمساندة واشنطن سرا، استغلال الانقسامات الداخلية في سوريا للقيام بانقلاب يُنفذه العميد رفعت!!.

إذاً الأمر لم يخرج بعد من باب التشكيك، و مع هذا فقد صدرت الأوامر لعلي حيدر وشفيق فياض بتحريك القوات والدبابات الى العاصمة.

و لكن..

بالعودة لما قاله الكاتب، قال أن الرئيس هو الذي " قام بجمع كبار ضباطه و وبخهم على الابتعاد عن تنفيذ رغباته الصريحة و بذلك فتحوا الباب لأخطار غير متوقة: أوَلم يروا أن دفع رفعت إلى المقدمة كان خطة أميركية - سعودية لازاحته عن الحكم؟ "

و أضاف الكاتب متسائلاً " ولكن كيف توصل الأسد إلى هذا الاستنتاج المفاجيء المذهل؟ "

إذاً أين هو دور أجهزة المخابرات "الذين تشككوا" إذا كان الرئيس قد قام بتوبيخ قادتها لأنهم لم يكتشفوا المؤامرة؟؟؟

على كل حال، إن ما يرويه الكاتب هنا يخالف تماماً ما رواه الدجال مصطفى طلاس، حيث أن الذين بدأو بالتحرك هم قوات الجيش و ليس قوات سرايا الدفاع كما ذكر طلاس.

حسناً، لننسى هذا و لنتسائل:

هل يكون جزاء الضباط و المسؤولين الذين ابتعدوا عن تنفيذ أوامر الرئيس، و ظهر نفاق أغلبهم إلى العلن، هو "التوبيخ" الذي تبعه ترفيع رتبهم العسكرية و ترقية مناصبهم السياسية، و جزاء العميد رفعت الذي لم يجبرهم على تأييده، و الذي صُعق بمرض الرئيس و بقي ثلاثة ليال بالمستشفى

بلا نوم يحرث أخيه المريض، هو التآمر عليه و إتهامه بالعمالة و محاولة الإنقلاب؟؟؟!!!

و هكذا أيها الأخوة، أتت هذه الفرصة الذهبية للمسؤولين الحاقدين على العميد رفعت فأصبحوا يرددون ما يتم حشوه بأدمغتهم كالببغاوات دون أدنى محاولة منهم للوقوف على حقيقة ما يجري.
المواجهة

وجرت عدة محاولات لنزع فتيل الأزمة من خلال المفاوضات. وأرسل رفعت أخاه جميلاَ ليشفع له عند الأسد. ولكن جواب الرئيس الذي لم يغفر كان: (أنا أخوكم الأكبر الذي أنتم مدينون له بالطاعة. لا تنسوا أنني أنا الذي صنعتكم جميعاً) واستمر الأسد يقصر الحبل لرفعت ويضيق عليه،

بينما راح الأخير، وقد شعر بفزع أجفل منه جدياً، يسعى لحماية ماتبقى له من حرية.

وفي 27/شباط- فبراير 1984 بَدَتْ سوريا وكأنها على شفير حمام دموي، بينما الفريقان يواجه كل منهما الآخر، والمدافع مستعدة. وفي النقاط الاستراتيجية في العاصمة كانت قوات علي حيدر الخاصة بقبعاتها الحمراء الداكنة تواجه سرايا دفاع رفعت بقبعاتها الملونة بلون القرفة، بينما

قام الحرس الذي يقوده عدنان مخلوف باستعراض للقوة في الشوارع الظليلة حول القصر. وفي الليل سُمِعَ صوت رصاص متفرق، ولكن لم يحدث صدام حاسم بالسلاح.

سيد باتريك إن العميد رفعت لم يرسل أخاه جميل ليشفع له عند الرئيس. بل إن العميد رفعت الذي فوجئ باعتقال العقيد سليم بركات و فوجئ بلهجة الرئيس عندما سأله عن هذا الأمر، حاول معرفة ما يدور في القصر الجمهوري عن طريق المرحوم الأستاذ جميل الأسد. و عندها سمع الخبر

الفاجعة من الأستاذ جميل و هو أن الرئيس مقتنع تماماً بأن العميد رفعت بصدد تنفيذ إنقلاب على الرئيس. و لأن العميد رفعت فوجئ بهذا الأمر طلب من الأستاذ جميل أن يأتي إليه لمناقشة الأمر معه. فقال له الأستاذ جميل حرفياً:" يبدوا لي يا أبا دريد أنك بصدد متاعب لم تكن لتخطر على

البال أبداً".

فطلب العميد رفعت إلى الأستاذ جميل أن يذهب للرئيس و يقول له أن ما يفعله هو بعيداً عن الصواب و أن كل ما أشعيع (فجأة) عن وجود مؤامرة هو كلام لا أساس له من الصحة. و تحدى العميد رفعت (بصفته العسكرية) الرئيس حافظ الأسد أن يقدم دليل واحد على صدق هذه الإشاعة و

قال بأنه جاهز للمحاكمة في حال تم إثبات ذلك.

إلا أن الرئيس لم يدلي بأدلته أمام الأستاذ جميل و قال له "أنا أخوكم الأكبر و أنا قائد هذه البلد، و ما عليكم سوى تنفيذ أوامري دون تردد".

و عندها أيقن العميد رفعت أن الرئيس لديه أجندة ما، و هو ماض ٍ في إنجازها مهما كانت النتائج. علامات أستفهام كثيرة لم يجد لها العميد رفعت أي إجابة مقنعة، أللهم شق الطريق لزينة الحياة الدنيا، و لكن هل يجر عليه هذا الأمر التهم جذافأ كاتهامه بالعمالة لأمريكا؟؟!!

و عندما بدأ الرئيس بالتضييق عليه شعر بالحنق و الضيق الشديدين، خاصة عندما علم بأن الرئيس قد أمر بنشر قوات الجيش في العاصمة دمشق التي يُحكم العميد رفعت سيطرته العسكرية عليها.

و الذي كان يقضي مضجع العميد رفعت هو أنه كان قادر عملياً على إحراز نصراً كاسحاً على قوات الجيش لكنه بنفس الوقت لا يريد مواجهة عسكرية مع أحب الناس إلى قلبه الرئيس حافظ الأسد.

وكانت المفارقة أن هذا الاضطراب الخطر في الداخل قد تزامن مع اكتمال النصر في لبنان: ففي 29 شباط /  فبراير وصل الرئيس أمين الجميل أخيراً إلى دمشق ليعلن قرار حكومته بإلغاء إتفاق 17 أيار / مايو الإسرائيلي - اللبناني. وفي تلك الليلة نفسها، ليلة 29 شباط /  فبراير - 1

آذار - مارس عقدت القيادة القطرية جلسة طارئة لايجاد مخرج من الأزمة الداخلية. وتم التعبير عن الحل المتوصَّل إليه بتعيين ثلاثة نواب للرئيس الجمهورية بموجب مرسوم جمهوري صدر في 11 آذار / مارس 1984. وعلى رأس القائمة كان خدام، عدوّ رفعت الذي ركز عليه

الجنرالات، يتلوه رفعت نفسه، وقد سُمِّيَ في المرسوم بلا رتبة ولا لقب سوى ( الدكتور) ( وذلك إشارة إلى الدكتوراه التي منحته إياها جامعة موسكو على أطروحة عن الصراع الطبقي في سوريا ويعتقد أنها من تأليف أحمد داود، العلوي الذي يجيد اللغة الروسية). وكان النائب الثالث

لرئيس الجمهورية هو زهير مشارقة، مساعد الأسد في القيادة القطرية.

وكان ترفيع رفعت إلى منصب نائب الرئيس هو في الواقع تكسير رتبة، لأن واجباته تُركت بلا تحديد، لتعتمد على رضا الرئيس وعطفه. ونقلت إمرة سرايا الدفاع منه بموجب مرسوم جمهوري آخر إلى العقيد محمد غانم. ولم يستطع رفعت أن ينازع إزاحته من هذه الوظيفة، ولكنه جمع

ضباطه وطلب منهم انتخاب قائد جديد، فاختاروا زوج ابنته، معين ناصف. أما غانم، السيء الحظ الذي وقع بين أوامر الأسد، و أوامر رفعت المضادة، فقد تنازل.

وكان الكرملين (الذي برز فيه قسطنطين تشيرنينكو زعيماً بعد وفاة آندروبوف في 10/ شباط- فبراير 1984) يراقب التطورات في سوريا بانتباه وفزع وبكثير من الحيرة. أكان صديقهم الأسد قد وقع في متاعب حقيقية بعد أن أجبر الأسطول الأميركي على الرحيل مباشرة؟

وفي غمرة حرصهم على استباق أي تغيير عنيف قد يغامر بتضييع المكاسب التي تم الحصول عليها بكل مشقة في لبنان، أرسل السوفيات حيدر علييف، عضو المكتب السياسي ونائب رئيس الوزراء، إلى دمشق ليتعرف مباشرة على ماكان يجري هناك. فوصل في 10 آذار / مارس يحمل

رسالة حارة من تشيرنينكو (5)، وقابل جميع الشخصيات الرئيسية، الأسد، ورفعت، وخدام، والآخرين.

ولكن مهما كان دور الوساطة الذي قد يكون علييف لعبه، فإن التسوية المعلنة في 11 آذار / مارس لم تعمر طويلاً: إذ أن الأسد كان مصمماً على تجريد رفعت من القدرة على إغراق السفينة بينما كان رفعت بدوره مصمماً على ان لا يتصاغر إلى حد الضآلة. وهكذا استمر الضغط الذي بدأ

عليه في الأسابيع الأخيرة من عام 1983 إلى آذار/ مارس عام 1984، حيث تم نقل واعتقال العديدين من أنصاره الموالين له، بل و مات بعضهم.

وبدأ رفعت يشعر بأنه هو نفسه في خطر عندما نقلت إليه حكاية كان الأسد قد رواها في اجتماع مع ضباطه، ومؤداها أن الألمان في الحرب العالمية الثانية قد أسروا ابن ستالين، الذي كان ملازماً شاباً في الجيش الأحمر، واقترحوا مبادلته بجنرال ألماني أسير عند الروس، وهددوا بقتل ابن

ستالين إن لم يوافق على الصفقة. فأجاب ستالين بتجهم: ( فليقتلوه )، ثم بكى. وكان تعليق رفعت القارص: ( إن دموع أخي عزيزة علي، ولا أريده أن يذرفها بسببي). وبدت له قصة ستالين المشؤومة وكأنها مطالبة بحياته.

وفي الثلاثين من آذار- مارس لم يعد رفعت يستطيع أن يتحمل التوتر.
فمع استمرار انشداد الأنشوطة عى عنقه، وربما بتحريض من أتباعه المتملقين الأذلاء وأصدقائه الأجانب، أمر رفعت سرايا دفاعه بالتحرك بقوة إلى دمشق والاستيلاء على السلطة. فتحركت دباباته إلى داخل العاصمة تماماً وتفوقت مدافعها على وحدات منافسيه. واتخذت سرية دبابات ت

72 مواقعها عند دوار كفر سوسة خارج مبنى قيادة المخابرات العامة على طريق المطار حيث كان باستطاعتها أن تقصف المدينة. واحتلت دروع أخرى الحدائق الكائنة بين فندق الشراتون، وقصر الضيافة الجديد، حيث تم زرع الألغام أيضاً. وطوقت فرقة مشاه محمولة مؤللة فندق

المريديان والمجمع الذي يحتوي على مكاتب القيادة القطرية. وفي مواجهة استعراض القوة هذا حشدت بسرعة دبابات شفيق فياض، وانتشرت عى طول النهر في معرض دمشق الدولي قواتُ المغاوير الخاصة التابعة لعلي حيدر. وأخرج المدنيون من بيوتهم الواقعة في مناطق الاقتتال

المحتملة. وبدا الأمر كأنه إيذان بحرب أهلية. وتجرأ الملحقون العسكريون الأجانب على الصعود إلى سطوح المباني بحذر ومعهم المناظير المقربة، ثم بعثوا بتقارير تقول إن اطلاق النار قد يبدأ في أية لحظة.
وراقب الدبلوماسيون هذه الدراما وهي تتوالى فصولاً، وقد حيرهم بطء الأسد الظاهر في الردّ. فقد بدا سلبياً يكاد يكون جامداً في مواجهة تحدي أخيه. فلو تضارب الجانبان في العاصمة لكان الدمار عظيماً جداً، ولتشوهت صورة النظام إلى حدّ لا يمكن إصلاحه، هذا إن بقي النظام أصلاً.

وبدت كل منجزات الأسد في ثلاثة عشر عاماً من الجهود، في الميزان معرضة للخطر، وبدت معركة لبنان وقد خُسِرَتْ بعد الاقتراب الشديد من كسبها. ومع ذلك فإن الأسد لم يتحرك.

كان الأسد يراهن على قدرته في السيطرة على أخيه حتى في النزاع الأخير، وقد اختار أن لا يكشف أوراقه. ومثلما كان الحال عندما بدأ الأسد يتهيأ للهجوم المعاكس في لبنان، ربما أراد الأسد أن يستدرج أعداءه إلى أن يشعروا بالثقة في أنفسهم. لأن هذه لم تكن مشكلة تعثر بها وهو غافل.

وقد أظهرت النتيجة أن قدرته على التحكم بالأحداث لم تضعف ولم تتضرر. فخلال أسابيع من مناورات القط والفأر، مَدّ لرفعت عمداً حبلاً يكفيه لشنق نفسه قبل أن يضطره إلى الخروج للتحريض على الفتنة والعصيان علناً. ولا شك في أنه قد فعل ذلك ليعطي نفسه مبرراً كافياً وافياً لإزاحة

رفعت بشكل كليّ. ولم ينس الأسد أن يتخذ إجراءات وقائية عائلية. ففي اليوم الذي سبق زحف رفعت إلى دمشق، رتب الأسد عملية جلب أمه ( التي كانت في الثمانينات من عمرها ) بالطائرة من القرداحة لتبقى في منزل رفعت. كان يعرف أنها لا تزال تمارس تأثيراً قاهراً على طفلها

الأصغر. وبالمقارنة مع لاعب في مثل ذكاء  الأسد، كان رفعت ساذجاً في ميدان السياسة. وهكذا أصبح المسرح جاهزاً لِصدام الإرادات.
ومع انقسام دمشق بين معسكرين يبدوان على حافة الحرب لبس الأسد زيه العسكري الكامل، واتجه بالسيارة مع ابنه باسل فقط، بدون حرس ولا مرافقين، عبر الشوارع الفارغة الموحشة إلى مواقع أخيه المحصنة جيداً في ضاحية المزة السكنية حيث يقع منزل رفعت ومقر قيادة سرايا

الدفاع. وكان رفعت قد وضع دبابات في البساتين المجاورة وعلى طول الطريق الرئيسي، ونصب مدفعية على جبل قاسيون المطلّ على المدينة. وفي الطريق لتحدي هذه القوة المركزة توقف الأسد عند دوار كفر سوسة المليء بدبابات رفعت وأمر الضابط المسؤول بالعودة إلى ثكنته.
وفي منزل رفعت في المزة وقف الأخوان آخر الأمر وجهاً لوجه فسأل الأسد: (( أتريد أن تقلب النظام؟ هاأنذا. أنا النظام )) ودار بينهما طيلة ساعة جدال عاصف. ولكن الأسد، في دوره كأخ أكبر، ومع وجود والدته في البيت، لم يكن ليفشل في كسب النزاع. فاختار رفعت أن يقبل تعهد

الأسد بأن مصالحه وأرصدته سوف تُحْتَرَمَ. وأذعن لأخيه كما كان يفعل غالباً منذ أيام شبابه. ونقل أصدقاء رفعت فيما بعد أنه قال إن قراره بترك القتال كان أعظم غلطة ارتكبها في حياته.
ولم يكن للصراع أي بعد آخر. وتدخل السوفيات إلى جانب الأسد، فألقوا بثقلهم خلفه. ولقد كان رفعت رجلاً شجاعاً وجريئاً، ولكنه كان أيضاً عاطفياً بعمق. فهو ببساطة لم يستطع أن يقسر نفسه على إعلان الحرب على أخ يحترمه ويعجب به ويتحرق إلى كسب رضاه، مهما كان عمق

غضبه منه.
وبعد المواجهة، طاف الأسد على وحدات رفعت المنتشرة في منطقة المزة، وأمرها بالإنصراف. وفي غضون يوم أو يومين بعد ذلك تنفس الناس الصعداء بارتياح عميق وهم يرون اختفاء الدبابات والرجال المسلحين من شوارع العاصمة. كانت سلطة الأسد التي لا تُنَازَع قد استعيدت

بوضوح.

- لقد قلنا أن باتريك سيل هو من الكتاب المخضرمين، و لكننا أشرنا إلى أنه قد وقع بأخطاء مهنية لا يجوز لكاتب متميز مثله أن يقع فيها. خاصة عندما يُنصِّب الكاتب نفسه مؤرخاً. فالمؤرخ لا يلجأ لكلمة " يُقال " أو " يُعتقد ". و ما تشكيك الكاتب بإجازة الدكتوراه التي يحملها العميد رفعت إلا

تجسيدا لهذا الخطأ.

أما زيارة حيدر علييف فلم تكن زيارة وساطة، بل إن علييف أتى لتبليغ العميد رفعت الأسد رسالة تهديد من تشيرنينكو و التي مفادها أن الإتحاد السوفيتي سيتدخل ضد سرايا الدفاع في حال وقوع مواجهة بينها و بين الجيش مؤكداً أن روسيا لن تحتاج لأكثر من 48 ساعة لإرسال طلائع

قواتها إلى دمشق. عندئذٍ ضحك العميد رفعت عالياً و قال له "إن سرايا الدفاع لن تحتاج أكثر من ساعتين لحسم الأمر مع الجيش، فما الذي ستفعلوه بعد 48 ساعة خاصة أن كل حلفائكم سيكونوا خلف قضبان الحديد؟" و خرج علييف شبه مطرود من مكتب العميد رفعت.

(لماذا لم يذكر العماد طلاس قصة علييف؟ طبعاً لأنها تكشف عجز القيادة عن مواجهة سرايا الدفاع، إذ بالإضافة إلى كون الجيش أضعف من أن يواجه سرايا الدفاع فإن الذي كان يقضي مضجع القيادة العليا هي عدم ثقتها بقادة و ضباط الجيش في أنهم لن ينحازوا لطرف العميد رفعت

خلال المواجهة، و هذا ما حدث لاحقاً).

- و بالعودة إلى صلب الموضوع لا أدري لماذا يعتقد السيد سيل أن ترقية العميد رفعت الأسد من منصب قائد عسكري إلى منصب نائب الرئيس هو تكسير للرتبة؟ هلا فسرت لنا هذا الأمر الذي لم نسمع به بأي دولة في العالم إلا منك يا سيد سيل، ألا تعتقد أنه علينا احترام عقل القارئ

قليلاُ؟

لقد كانت ترقية العميد رفعت الأسد إلى هذا المنصب هي إنتصار له و لمطالبه الحثيثة بإجراء الإصلاحات على السياستين الداخلية و الخارجية.
و تصحيحاً لمعلومات السيد سيل نقول بأن العميد رفعت الأسد، و سعياً منه للخروج من الأزمة مع الرئيس حافظ الأسد، و دفعاً منه لاحتمالات المواجهة العسكرية، هو الذي اشترط أن يكون هناك نواب للرئيس. فعرض الرئيس الأسد على العميد رفعت منصب نائب الرئيس لكن العميد رفعت

أصر على وجود ثلاثة نواب للرئيس رفضاً لفكرة التوريث و تعزيزاً للنهج الديمقراطي الذي طالما طالب سيادته به. و عندما لم يستقر الرأي على أسماء نواب الرئيس أقترح العميد رفعت أن يُسمي الرئيس حافظ الأسد واحد منهم، على أن يُسمي العميد رفعت نائب آخر
و تم التوصل إلى الحل التالي:
1- تسمية عبد الحليم خدام نائب للرئيس للشؤون الخارجية
2- تسمية الدكتور رفعت الأسد نائبأ للرئيس لشؤون الأمن
3- زهير مشارقة نائب الرئيس للشؤون الحزبية
4- الإبقاء على سرايا الدفاع و تسليم قيادتها، بناءً على أقتراح الرئيس، للعقيد معين ناصيف

و أشترط العميد رفعت على القيادة السورية المضي بالإصلاحات التالية:
1- أن يتم تداول السلطة
2- إصلاح الجهاز الحزبي و إعادة الحزب لتبني أهدافه و مبادئه التي أتى من أجلها و ممارسة الديمقراطية داخل الحزب نفسه
3- السماح بالتعددية الحزبية و المشاركة بالسلطة
4- إصلاح الجهاز القضائي
5- إصلاح الأجهزة الأمنية
6- رفع سوية التعليم في سوريا و العمل على تحديث البلد كي تواكب الدول المتقدمة
7- العمل بشكل فوري على الإنفتاح الإقتصادي و رفع حالة الطوارئ في البلاد
8- رفع سوية دخل الفرد و تحسين سبل المعيشة لجميع المواطنين

و بالنسبة لموضوع لتداول السلطة، الذي كان كثيراً ما يناقشه العميد رفعت في إجتماعات القيادة و مع الرئيس، فقد أقترح العميد رفعت على الرئيس الأسد أن يبقى أميناً عاماً للحزب على أن يفتح المجال للشعب السوري بأن يختار رئيسه بحرية مطلقة عند نهاية كل ولاية من خلال إنتخابات

حرة و نزيهة.

هذه كانت مطالب العميد رفعت الأسد و قد لاقت مطالبه الترحيب و التأييد الواسع بين صفوف القيادات الحزبية و العسكرية. و لهذا فقد تمت الموافقة عليها كلها من قبل القيادة. و هكذا برهن العميد رفعت الأسد للجميع أن المعلومات التي استقاها الرئيس من وجود مخطط لقلب نظام الحكم لم

تكن إلا معلومات خاطئة.

و لكن ما الذي حدث بعدها؟

كما يقول الكاتب فقد بدأت القيادة السورية بتفتيت سرايا الدفاع من خلال اعتقال بعض قياداتها و الكثير من أفرادها.
و تزامن هذا الأمر مع رفض الرئيس الأسد للتعديلات الأولية التي بدأ نائب الرئيس الدكتور رفعت الأسد بإجراءها ضمن خطة الإصلاحات الأمنية. و أيضاً تزامن مع بقاء حالة الإستنفار و إنتشار الجيش في شوارع دمشق. فعلم الدكتور رفعت أن القيادة السورية غير جادة بإجراء أي

إصلاح و أن كل ما تم لم يكن سوى إجراءات شكلية لتصفية سرايا الدفاع و إنهاء نفوذ العميد رفعت.

و مع اشتداد الحصار على أنصار العميد رفعت، و قتلهم و تعذيبهم، قرر العميد رفعت أن يلقن هذه القيادة درساً لا تنساه أبداً..!

فأمر العميد رفعت سرايا الدفاع بالتحرك للسيطرة على العاصمة دمشق و ليس للإستيلاء على السلطة. و أخذت وحدات و قوى الجيش الأخرى تخلي مواقعها أمام تقدم قوات سرايا الدفاع في شوارع و أحياء دمشق، و لعله من نافل القول أن نذكر أن جنود سرايا الدفاع، الذين حاصروا

قوات الوحدات الخاصة في معرض دمشق الدولي، قد أمروا هذه القوات بخلع بذاتهم العسكرية و ارتدائها بالمقلوب، و قد نفذ جنود الوحدات الخاصة هذا الأمر و كانوا يرددون " نحن مع القائد نحن مع القائد " كناية عن العميد رفعت الملقب بالقائد.

أما جنود شفيق فياض فلم يكن لهم أي أثر بل قام قادة ألويتها أيضاً بإخلاء مواقعهم و تسليمها لسرايا الدفاع، و هذا الأمر يعلمه كل سكان دمشق.

و بأقل من ساعتين كانت سرايا الدفاع قد طردت كل وحدات الجيش الأخرى من دمشق و أحكمت السيطرة على العاصمة بالكامل و طوقت مبنى القيادة العامة و مبنى قيادة المخابرات العسكرية و مبنى قيادة المخابرات العامة و مبنى القيادة القطرية و مبنى قيادة الوحدات الخاصة و العديد

من الأبنية القيادية و المراكز الأمنية، و حتى مطار المزة العسكري لم يكلف سرايا الدفاع سوى أرسال سرية راجلة قامت بالسيطرة عليه و على طائراته و طياريه بالكامل، و قد أستقبل حراس و جنود مطار المزة عناصر سرايا الدفاع بالتحية و رموا أمامهم أسلحتهم أرضاً. المكان الوحيد

الذي لم تقترب منه قوات سرايا الدفاع هو القصر الجمهوري حيث يقيم الرئيس، و ذلك إحتراماً من العميد رفعت لشقيقه الرئيس حافظ الأسد.

الآن دمشق و مداخلها تحت السيطرة، و سرايا الدفاع بانتظار أي أمر يصدر عن قائدها العميد رفعت الأسد.

و عندما علم الرئيس، الذي كان يتابع التطورات عن قرب، بهذا الأمر و بأن سرايا الدفاع قد طوقت مبنى القيادة، طلب من اللواء شفيق فياض إرسال إحدى ألوية فرقته لفك حصار مبنى القيادة. فقال له شفيق فياض أن قادة الألوية هم من فتحوا المجال لقوات سرايا الدفاع للتقدم و تطويق

المبنى. فأدرك الرئيس أن هؤلاء القادة هم مؤيدين للعميد رفعت، و طلب من اللواء شفيق أرسال اللواء توفيق جلول مع قواته لهذه المهمة.
إلا أن توفيق جلول، الذي ذهب لأداء المهمة، ما لبث أن أتصل باللواء شفيق و قال له: يوجد أمام المبنى سيارة أوسوزو حمراء و بها عقيد من السرايا.
فأجاب فياض: أتقول سيارة أوسوزو حمراء؟ ما بالك ترتجف و أنت تخاطبني؟
فقال جلول: يا سيدي فيها عقيد من السرايا عم قول!!

فعلم الرئيس أن المعركة مع سرايا الدفاع لم تعد واردة على الإطلاق، بل لا يوجد لدى الرئيس أي جيش ليحارب به سرايا الدفاع. أين وحدات القصر الجمهوري و أين كل فرق الجيش و أين سرايا الصراع و أين وزير الدفاع و أين أركانات الحكم و أين أركانات الجيش و قادة أجهزة

المخابرات و غيرهم؟؟؟

باختصار، بين فار من المواجهة و بين مؤيد لقائد سرايا الدفاع لم يبقى للرئيس ما يحارب به.

و من المعروف للكثير من السوريين أن قوات سرايا الدفاع قامت بضبط واحد من أهم أركانات الحكم في سوريا و هو متنكر بجلابية عربية و يحاول الفرار خارج دمشق.

فقام الرئيس الأسد بطلب قادة سرايا الدفاع للإجتماع في مكتبه، و على الفور أخبروا قائدهم العميد رفعت فسمح لهم بالذهاب. و ربما نذكر مقتطف مما ناقشه سيادة الرئيس معهم ليتعرف القارئ على الهدف من هذا الإجتماع و هو حين توجه السيد الرئيس لواحد من هؤلاء الضباط و قال له:

لماذا أعترض عناصرك ابنتي بشرى؟ فأجاب الضابط: لأنها كانت تُمزق صور سيادة القائد، و الذي يمزق صور القائد يمزق صور سيادتكم و الذي يحب القائد يحبكم و الذي لا يحب القائد لا يمكن أن يحبكم. فقال الرئيس: إذا كنت تريد أن ترى صورة العميد رفعت فادخل إلى غرفة نومي

فستراها معلقة فوق سريري و لكن لا يُمكن أن يكون في البلد رئيسين.

بعد الإجتماع مباشرة قام السيد الرئيس بالطواف على قوات سرايا الدفاع و أمرهم بالخروج من دمشق و العودة إلى معسكراتهم، إلا أن الجواب كان دائماً واحد و هو: سيدي الرئيس نحن نتلقى الأوامر من سيادة القائد رفعت الأسد. و كانت هذه هي المرة الأولى التي تُرفض فيها أوامر

الرئيس.
و بحث الرئيس عن آثار جيشه فلم يعثر على واحد منه!!! و لم يبقى أمامه سوى الذهاب لمنزل شقيقه، الذي كان بانتظاره!!

و لو كان لدى الرئيس حافظ الأسد أي بصيص أمل في أن يتفوق على سرايا الدفاع لما ذهب لمنزل العميد رفعت..!

قبل أن يذهب الرئيس قام بإرسال والدته إلى منزل العميد رفعت، و عندما تأكد أنها أصبحت هناك أصطحب أبنه المرحوم باسل الأسد (الذي يحبه العميد رفعت حباً شديداً حيث أنه هو الذي رباه في صغره) و توجها بالسيارة بمفرديهما إلى منزل العميد رفعت.

و هناك تقابل الزعيمان وجهاً لوجه..

و قال الرئيس لأخيه: هل تريد أن تحكم سوريا؟ أذهب و احكمها...ها هي تحت سيطرتك.

من المعروف طبعاً أن سوريا كان يُمكن أن تكون تحت سيطرة العميد رفعت منذ أن قام بإقالة أمين الحافظ و أعتقل محمد عمران و عبد الكريم الجندي. و عندما أتى العقيد القذافي و لم يكن يوجد رئيس جمهورية لاستقباله بالمطار قال لأخيه وزير الدفاع حافظ الأسد أذهب أنت و استقبله

لأنك أنت ستكون الرئيس. و ما ذلك إلا حباً بشقيقه و أحتراماً له و إعلاءً لشأنه.

فلو كان العميد رفعت يريد أن يكون رئيس سوريا لفعل هذا منذ زمن بعيد، لكن و بالرغم من تحفظاته الكثيرة على ما قام به حزب البعث في سوريا فإنه آثر أن يبقى الناصح المخلص لأخيه، و الحارس الأمين للبلد، و قد قام بواجبه تجاه الرئيس و الوطن على أكمل وجه، و جنَّب سوريا

العديد من الكوارث و الويلات التي هددت حكم الرئيس و وحدة سوريا.

و هاهو الآن يسيطر على العاصمة و على سوريا. فهل أدركت القيادة الآن أنه ليس بحاجة لمساعدة أمريكا للإستيلاء على الحكم؟

و أثناء سيطرة سرايا الدفاع على دمشق تلقى العميد رفعت أتصالات كثيرة من أقرب القياديين إلى الرئيس حافظ الأسد و كلهم قدموا الطاعة و الولاء له.      

القائد الفذ رفعت الأسد و صاحب القلب الكبير و الكرم العظيم، و الذي أحب أخاه أكثر من أي شيئ في الدنيا، لم يرضى أن يرى أخاه سوى عزيزاً و مكرماً. فقرر العميد رفعت، الذي طالما نادى بالإصلاحات و بتحقيق الديمقراطية، و الذي أدرك أن القيادة غير جادة باتخاذ أي خطوة

باتجاه هذه الإصلاحات، قرر أن يغادر البلد إلى حين أن تقرر القيادة المضي بتنفيذها.

و حيث أشار باتريك سيل أن الرئيس تعهد باحترام أرصدة العميد رفعت، قيل أن الرئيس تعهد حينها بإجراء الإصلاحات و تعهد بعدم تدمير سرايا الدفاع. و أمضى الرئيس و العميد رفعت بعض الوقت مع والدتهم و بقية أفراد العائلة. و قام العميد رفعت بالإتصال بقيادة سرايا الدفاع و أمرهم

بالإنسحاب من دمشق و العودة إلى أماكن تمركزهم.

أما ما نُقل عن أصدقاء العميد رفعت فيما بعد أنه قال إن قراره بترك القتال كان أعظم غلطة ارتكبها في حياته، فما هذا إلا تمنيات من يدَّعون أنهم نقلوا هذا القول عن العميد رفعت.

القائد رفعت الأسد فاز مرتين هنا..

مرة عندما كشف عن حجم قوته، و عن عدم عجزه عن القضاء على خصومه.

و مرة عندما كشف عن عمق عاطفته و سعة صدره و عظمة وفاءه

الهوامش

(5) مقابلة مع الرئيس الأسد في دمشق في أيار / مايو 1984

 


 

حل العقدة

ومع ذلك بقيت أشياء أخرى معلقة بحاجة إلى أنجاز. فبينما كانت القاعدة الرئيسية لقوة رفعت هي سرايا الدفاع كان له مراكز نفوذ أخرى في مختلف أنحاء البلد. كان على سبيل المثال شريكاً في كثير من الأعمال التجارية ومشاريع البناء وتطوير العقارات حيث كان قد وضع صنائعه

كمدراء، وعمال، وحراس.

وكان أيضاً متحمساً للشباب. وكان من مشاريعه المثيرة للجدل والنزاع كما ذكرنا خطط لتدريب الشبان والفتيات على الهبوط بالمظلات يكسبون منها درجات إضافية في امتحانات الشهادة الثانوية. وقد أثار ذلك سخط الطلاب الأقل ميلاً للرياضة. فالعلامات العالية كانت توسع فرص قبولهم في

كليات الطب والهندسة التي كان الإقبال عليها شديداً. وقد تبنى رفعت كلمة ( الفرسان) ذات الرنين الرومانسي كعنوان للمجلة التي كان يصدرها، وكاسم للأرض السكنية في المزة حيث كان يُسْكِنُ أتباعَه.. وكوصف عام للشبان النشيطين لتحسين أوضاعهم والعاملين للمصلحة العامة.

ولعل أكثر مشاريعه الثقافية طموحأً رابطة خريجي الدراسات العليا التي كان يسمح بالانتساب إليها لحملة الشهادة الجامعية الثانية فقط في بادىء الأمر، ثم توسعت فيما بعد لتقبل كل الخريجين، رغم أن الأعضاء لم يكونوا ليقبلوا فيها إلا بعد مضي بضع سنين على تخريجهم من الجامعة وبعد

أن يظهروا شيئاً من النجاح في حياتهم العملية. وكانت فروع الرابطة الخمسة عشر في مختلف أنحاء البلاد، بجمعها عدة آلاف من الأعضاء، تشكل منابر يناقش فيها المحترفون من الرجال والنساء القضايا العامة خارج قيود وضوابط حزب البعث.

وكانت حجة رفعت المنطقية في اجتذاب المثقفين إلى الرابطة هي حاجة سوريا، في تنافسها مع إسرائيل، إلى تحسين حياتها الفكرية. وكان متحمساً لمراكز البحوث، وأجهزة الكمبيوتر، وتعليم اللغات. وقد أقيمت بعض هذه المنشآت والتسهيلات تحت رعايته. ولكن مهما كانت روح المصلحة

العامة خلف دوافعه، فإن منتقديه رأوا فيها محاولات لبناء قاعدة لقوّةِ شخصيةِ له.

بعد أسبوعين من المواجهة الجارحة مع الأسد، أعلن مساعدوا رفعت عن تجمع كبير للرابطة ينعقد يوم 17/ نيسان- إبريل1984 وهو يوم إستقلال سوريا، على مدرج جامعة دمشق. ولكن عندما سعى مسؤولو العلاقات العامة لدى رفعت لتصوير هذه المناسبة بالتلفزيون، مُنعوا من

استخدام المدرج. وعندما نُقِلَ المكان إلى نادي الضباط ، قامت السلطات بإلغاء الاجتماع كلية.
ومثل هذا الأمر لا يمكن أن يكون قد أتى إلاّ من الأسد نفسه. وبروح من التحدي أقام رفعت غداء في الشيراتون لحوالي خمسمائة من الضيوف من أعضاء الرابطة، وبعض الوزراء وكبار الموظفين، وألقى خطاباً إستغرق ساعتين هاجم  فيه باندفاع متهور بعض أهم جوانب سياسة الأسد

الأساسية.

وكان حافز رفعت الأساسي الأول هو الدفاع عن نفسه ضد تهمة عدم الولاء. وكان كأنه يخاطب أخاه الأكبر في القصر الجمهوري من فوق رؤوس ضيوفه على الغداء. "إن أخي لم يعد يحبني. وعندما يراني يكشر، ولكنني لست عميلاً أميركياً. ولست عميلاً سعودياً. ولم اتآمر على بلادي.

هل نسيت بأنني قبل عشر سنوات كنتُ أُسَمَّى (الضابط الأحمر)؟ [ وكانت تلك إشارة لدوره (كقناة خلفية) للسوفيات في منتصف السبعينات عندما كان الأسد يتفاوض مع كيسنجر] وعندما اتصلتُ بالأمير عبد الله ووافق السعوديون على مساعدتنا كان ذلك لأن سوريا بحاجة للمال. كنت

أعمل من أجل سوريا، من أجل اقتصادها وحكومتها. فلماذا أُدْعَى الآن عميلاً سعودياً وأميركياً؟"

ولم يستطع أن يتجنب الإشارة إلى الكارثة التي كادت تقع قبل ذلك بأسبوعين عندما واجهت دباباته دبابات علي حيدر وشفيق فياض و وجهت مدافعها ضد بعضها البعض عبر ساحات وحدائق دمشق، فقال: "لو كنت أحمق لكان باستطاعتي تدمير المدينة بكاملها، ولكنني أحب هذا المكان! لقد

كان رجالي هنا طيلة ثمانية عشر عاماً [ إشارة إلى الدور الذي لعبته قوات أمنه في الصدام الحزبي الداخلي عام 1966] وقد اعتاد الناس علينا، وهم يحبوننا والآن يريد هؤلاء الكوماندوس [رجال علي حيدر] أن يطردونا إلى الخارج".

وكان في دفاع رفعت شيء أكثر من الاعتذار الشخصي. فرغم أن البعض كانوا يرونه سفاحاً، فقد كان رفعت أيضاً مدافعاً عما يرقى إلى ما يمكن تسميته بالثقافة - المضادة. كانت الفكرة التي يروج لها تبعث في الذهن رؤية مختلفة عن رؤية الأسد لسوريا ومكانتها في العالم. وكانت رابطته

تجمعاً مضاداً للحزب تتنافس مع البعث. وكان أتباعه نخبة مضادة للمؤسسة القائمة أبرع وأكثر استقلالاً فكرياً من الموظفين والصنائع والبيروقراطيين الحزبيين التابعين للنظام.

وكان غداء الشيراتون أهم أداء مثير لافت للنظر قام به رفعت. ولكنه كان الأخير في عدة نشاطات. وقد ظل شهوراً في اجتماعات خاصة، سرية وشبه سرية، يطور إدانته لسياسات أخيه. لماذا تصرف سوريا كل هذه الأموال في لبنان بينما هي تحتاجها للإستثمار في الداخل؟ هل من الحكمة

المخاطرة  بحرب مع أميركا وأوربا واكتساب سمعة الإرهاب فوق ذلك؟ ولماذا لا تتم الموافقة على انسحاب إسرائيلي وسوري من لبنان في الوقت نفسه؟ وكان من مواضيعه المفضلة الأخرى إعتماد سوريا أكثر من اللازم على الاتحاد السوفياتي وعلى ضمانات سوفياتية مشكوك فيها.

صحيح أن السوفيات قد زادوا قوة سوريا بشكل كبير، ولكن متابعة موضوع التوازن مع إسرائيل لها أخطارها. فلا يمكن تحقيق ذلك إلا إذا اندمجت سوريا بشكل متكامل في الخطط الدفاعية السوفياتية، ولكن ثمن مثل هذا التحالف العسكري الكامل مع موسكو هو إلغاء كل إستقلال للسياسة.

فخدام ( الرجل الذي لم يكن لدى رفعت وقت للاهتمام به) كان يتفاخر باجتذاب مخلب واحد من مخالب الدب السوفياتي إلى الأرض السورية.. ولكن ماذا لو تبعته المخالب الثلاثة الأخرى؟ إن سوريا الصغيرة عندئذ سوف يُقْذَفُ بها إلى الهواء بلا حول لها ولا قوة.
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية لم يكن رفعت يخفي معارضته لدعم سوريا للمنشقين عن فتح، مثل أبي نضال وأبي موسى في حربهم ضد عرفات.
فما معنى الحزازة والعداء مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية؟ ولماذا طرده من طرابلس؟ ألم يكن له حق في أن يكون هناك مادام الإسرائيليون لا يزالون في صور؟ ولماذا كانت سوريا معادية بمثل هذا العنف لاتفاقية حسين-عرفات التي قد تستعيد يوماً ما جزءاً كبيراً من الضفة الغربية

من حكومة إسرائيلية يؤلفها حزب العمل؟ ولماذا لا يُسْمَحُ للفلسطينيين بمتابعة هذا الطريق الذي يبدو واعداً؟
وكان تحالف سوريا مع إيران نقطة خلاف أخرى. لم يكن رفعت يحب صدام حسين، ولكنه تمرد على العلاقة الوثيقة مع مشايخ إيران الذين اعتبرهم رجعيين ومتعصبين مثل الأعداء الإسلاميين الذين قاتلتهم سوريا في الداخل.  كيف يمكن للنظام أن يتبع سياسة في حماه وسياسة أخرى في

طهران؟ أكان الصراع ضد الأخوان المسلمين بكامله مجرد شيء صوري. فارغ بدون التزام عقائدي؟

- سيد باتريك قد أحسنت في قولك أن العميد رفعت كانت له مراكز نفوذ في مختلف أنحاء البلاد، إلا أنك لم تُحسن تشخيص هذه المراكز...
فأولاً: لم تكن سرايا الدفاع هي القاعدة الرئيسة لقوة العميد رفعت. بل كانت و مازالت قاعدة قوته الرئيسية هي الشعب السوري بكل فئاته و قد كانت سرايا الدفاع تمثل كافة شرائح الشعب إذ يندر أن نجد عائلة سورية لم يكن فيها جندي أو فارس في سرايا الدفاع.

ثانياً: العميد رفعت لم يكن بحياته شريكاً تجارياً لأي شخص أو مؤسسة على وجه الأرض لا في سوريا و لا خارج سوريا. و يبدوا لنا سيد باتريك أنك تعرضت لخديعة كبرى عندما قيل لك هذا الكلام. فكيف يكون للعميد رفعت تجارة في سوريا و هو الذي كان يوزع كل المساعدات العربية

التي كان يقدمها له الأصدقاء على الشعب السوري! فهل يوزع التاجر ما يجنيه من أرباح تجارته؟ بل على العكس لقد كان العميد رفعت هو صمام أمامن الإقتصاد السوري و صمام الأمان الذي يحمي المواطن السوري من الرأسماليين و الإقطاعيين الذين زخمت رائحتهم الأنوف بعد خروج

العميد رفعت من البلد. ففي عهد العميد رفعت لم يكن في سوريا تجار أو رجال أعمال على شاكلة رامي مخلوف و محمد حمشو و فراس طلاس و فراس الخولي و غيرهم ممن لم يبقى أمامهم سوى التجارة بالهواء الذي يتنفسه المواطن. و حتى المسؤولين السوريين لم يكونوا ليتجرؤا على

لقمة المواطن السوري، فقاموا بعد رحيله مباشرة باحتكار الزيت و السمنة و القمح و الأرز و حتى المناديل الورقية. و يكفي التذكير بأن سعر صرف الدولار لم يتجاوز الثلاث ليرات طيلة وجود العميد رفعت في سوريا.

و أيضاً عندما كان العميد رفعت بالبلد كان كل الأفراد من عائلة الأسد يتمتعون بالسمعة الطيبة, لأن سيادته كان يرعاهم جميعاً فجعل منهم ضباطاً و أطباء و مهندسين ناجحين و أرسل بعضهم للدراسة بالخارج لتأمين مستقبلهم. أما من لم ينجحوا بالدراسة منهم فقد كان سيادته يرعاهم و يتكفل

بمصاريفهم و أعطاهم سيارات للتنقل متوعداً إياهم بأن أي منهم سيقوم بأي عمل مخالف للقانون سيكون مصيره السجن. و بعد أن غادر العميد رفعت البلد صدرت الأوامر من القصر الجمهوري بمصادرة سيارات هؤلاء الشباب و منعهم من أستلام إعاناتهم المالية التي كانت تأتي عن طريق

العميد رفعت، و هكذا... أصبح الكثيرين من أفراد عائلة الأسد بلا عمل و لا سيارة و لا حتى مصروف!! يسيرون بالشوارع فيشاهدوا كيف أن أولاد المسؤولين يتجولون بالسيارت الفارهة و هم (من عائلة الرئيس) لايملكون ثمن عجلة من عجلاتها!! فبدأ بعضهم بتهريب البضائع اللبنانية إلى

سوريا و عندما كانت تصل أخبار تجاوزاتهم للقصر الجمهوري كانت تصدر الأوامر بسجنهم لمدة أسبوعين قبل أن يطلقوا سراحهم مرة ثانية. ليعاودوا التهريب، و من ثم السجن، و هكذا دواليك، دون أن يجدوا من يوظفهم و يرعى شؤونهم في بلد كلها واسطات و محسوبيات. و بعد سنوات

من مغادرة العميد رفعت للبلد ظهر جيل جديد من شباب عائلة الأسد بدأ معهم أهالي اللاذقية و جبلة و القرداحة يعدُّون الأيام و الليالي كي تنتهي سنوات مراهقتهم داعين الله أن يهديهم و يُصلح أفعالهم و ذلك بسبب المضايقات و الأذى الذي كانوا يتعرضون له على أيدي هؤلاء الشباب. من

كان منهم يتجرأ على هذه الأفعال في السابق؟ بالتأكيد لا أحد. فالكل كان يعلم كيف عاقب العميد رفعت واحداً من أولاده عام 82 عندما قام بتهريب سيارة لبنانية كي يقودها في سوريا، إذ أمر العميد رفعت بأن تُحرق السيارة أمام أبنه و أن يُحلق له شعر رأسه و بعدها أمر بسجنه

نعم، لقد كان العميد رفعت الأسد متحمساً جداً للشباب و قد عمل سيادته كل ما بوسعه للإرتقاء بمستوى شباب سوريا على كافة الأصعدة، فعمل على فتح المراكز العلمية و التأهيلية و المراكز الخاصة بالبحوث و بنى لها العديد من المنشآت في دمشق و حلب و اللاذقية.

أما دورات المظليين فإنها واحدة من إعجازات العميد رفعت الأسد على مستوى سوريا و العالم العربي. و لقد كان لهذه الدورات التي أحتضنت أكثر من 100 ألف فارس و أكثر من 10 آلاف فارسة، كان لها صدى طيب عند كل السوريين و الدليل على ذلك هو تدفق عشرات الألوف

لتقديم طلبات الإلتحاق بالدورة بمجرد الإعلان عن بدء قبول طلبات الإلتحاق بها. و حتى الرئيس حافظ الأسد قام بإرسال أولاده للإلتحاق بالدورة فأرسل المرحوم باسل و أرسل بشار. و قد استفاد بشار من ميزة العلامات الإضافية مما أهله لاحقاً للإلتحاق في كلية طب العيون.

- لا جرم أن العميد رفعت، حين قام خلال أجتماعه الأخير في الشيراتون بمخاطبة الرئيس مذكراً أياه بمنجزاته السابقة، كان يعلم أن مضايقات الرئيس له كانت لها أسبابها الخاصة و المتعلقة بالرئيس و ابنه باسل رحمهما الله. و لكن مع هذا لم يشأ العميد رفعت أن يصرح بهذا الأمر لأن

سوريا ليست ملكية و لا يرضى العميد رفعت لأخيه أن يظهر بمظهر من يريد توريث الحكم لولده. و لعل من نافل القول هنا التذكير بمصير اللواء علي حيدر الذي لاقاه بُعَيدَ وفاة المرحوم باسل الأسد و بدء تحضير و تدريب بشار الأسد على أداء المهام الرئاسية، حيث تم اعتقاله و عزله

من منصبه على خلفية ما قاله في أحد الإجتماعات: "لقد كان العميد رفعت الأسد على حق.. فقد أتضح أن المسألة مسألة توريث و ليس أي شيئ آخر".

أما تساؤلات العميد رفعت الأخرى و المتعلقة بلبنان و السلطة الفلسطينية و إيران و الإتحاد السوفيتي فقد أكدت الأحداث اللاحقة أن العميد رفعت كان محقاً بكل أطروحاته.


نعم، نحن لم يكن لنا أي مصلحة في البقاء في لبنان بعد إنتهاء الحرب عام 1982 و إن الأموال التي تم صرفها على جيشنا في لبنان كانت سوريا و شعبها أولى بها. بعد أنتهاء الحرب مع إسرائيل أمر العميد رفعت قواته بالعودة إلى سوريا و طالب القيادة السورية أيضاً أن تقوم بإعادة وحدات الجيش الأخرى بما فيها الوحدات الخاصة و قال لهم: ليس من المفيد لنا البقاء في لبنان بعد أن أنتهت الحرب مع أسرائيل بل إن بقاءنا هناك لن يَجُرَّ إلا المتاعب و سيأتي يوماً نُطرَدُ فيه من هناك. إلا أن القيادة آثرت إبقاء الجيش في لبنان. و بطبيعة الحال، و بغياب الحسيب و الرقيب، بدؤوا ضباط المخابرات و عناصرهم العبث في لبنان حتى أصبح المواطن اللبناني، الذي كان ممتناً للجيش السوري لدماءه التي أراقها دفاعاً عن لبنان، أصبح لا يتمنى أن يسمع كلمة "سوري أو سوريا"  و هكذا بقي الجيش السوري في لبنان منبوذاً و مكروهاً حتى تم إخراجه عنوة قبل سنوات قليلة.

وكان رفعت لا يقل جذرية وتشدداً في التشكيك بتوجهات سوريا المحلية. "إننا نتحدث عن الحرية، ولكننا لسنا أحراراً إلاّ في أن نأكل ونتزوج". وكان يقدم نفسه كمدافع عن الحرية الاقتصادية والسياسية فيجادل بأن من الخير للسوريين أن يرتفعوا بأنفسهم إلى مستوى الآخرين، وأن يتمتعوا بالبذخ الاستهلاكي وبترف حرية الكلام. وكان يتهم سوريا بالانحراف عن المثل والمبادىء التي من أجلها قام الأسد بحركته التصحيحية في عام 1970. ومع مناداة رفعت بأفكار كهذه لم يكن مستغرباً أن يكون في نظر الأسد مداناً ليس بالهرطقة فحسب، بل بشيء يقرب من الخيانة.
غير أنه يجب القول إن معظم السوريين لم يكونوا يرون رفعت بهذه الصورة التي قدمها عن نفسه كداعية إنساني للحرية. بل كانوا يعتبرونه مثالاً صارخاً على الثراء الفاحش من جراء مشاريع تجارية ومالية في سوريا نفسها وفي لبنان.
في 15/ أيار- مايو وفي تطور ظهر وكأنه غير مرتبط بالأزمة استدعى الأسد سفيره من المغرب، وكان السبب الظاهري هو استضافة الملك الحسن لمؤتمر لليهود المغاربة حضره وفد إسرائيلي كان يضم تسعة من أعضاء الكنست. ومن المؤكد أن الأسد قد أغضبته بادرة حسن النية هذه التي أبداها الحسن الثاني لإسرائيل في وقت كانت فيه القوات الإسرائيلية لا تزال محتلة لأجزاء كبيرة من لبنان. ولكنه أراد أن يشير إلى سخطه على ماكان يعتقد بأنه تدخل مغربي في شؤون سوريا. فلقد كان رفعت يعتبر الحسن واحداً من أروع العرب، ويعده صديقاً شخصياً، بينما كان الأسد يرى فيه شخصاً مشبوهاً بشدة، ولم يكن يستطيع أن يغفر بسهولة دورَ المغرب في زيارة السادات للقدس عام 1977.
وكان حل عقدة حرب الأخوين مثلاً كلاسيكياً تقليدياً في فن السيد المسيطر على الحلبة، أنيقاً، وغير متعجل، وموضحاً مدى سيطرة الأسد على أتباعه الجموحين المشاكسين. ففي الثامن والعشرين من أيار/ مايو، وبمساعدة الكرملين، أرسلت طائرة محملة بسبعين من كبار الضباط إلى موسكو لفترة تهدأ فيها النفوس، وكان من بينهم رفعت. وهكذا أبعدوا جميعاً دون أية ضمانة حول ما إذا كانوا سيعودون، ومتى، فذلك كله معتمد على إرادة ( معلمهم ). وبطردهم جميعاً أوضح الأسد بأكثر الطرق علانية أنه لم يكن فيهم أحد لا يمكن الاستغناء عنه. وروى الأسد فيما بعد أن بعض هؤلاء الضباط الكبار ظنوا بأنهم إذا أرسلوا للخارج فسوف ينهار النظام، ( وقد قلت لهم: لا تخافوا على النظام، بل خافوا بالأحرى على أنفسكم)(6) وفي آخر الأمر استدعوا جميعا ً- ماعدا رفعت - للعودة إلى واجباتهم. وبالتخلص منه، باعتباره أغناهم جميعاً وأقواهم، وأكثرهم شعبية أثبت للبلد كلها أنه مسيطر على الآخرين. ولأسباب تتعلق بحفظ ماء الوجه وصف راديو دمشق زيارة رفعت إلى الإتحاد السوفياتي بأنها
( زيارة عمل ودية ). وساعد تشيرنينكو في ذلك بأن قابل رفعت في أول حزيران/ يونيو، ولكن في الخامس من ذلك الشهر كان رفعت يقيم في المنفى بجنيف.

و لكن هذا لا يعني أن سيادة القائد لم يكن مهتماً بمساعدة لبنان بل على العكس لقد كان سيادته مهتماً جداً بمساعدة لبنان و لكن ليس بفرض الوصاية عليه:

و أيضاً أثبتت الأحداث أنه لم يكن هناك من داع ٍ لمعاداة الرئيس ياسر عرفات لأن معاداته لم تقدم أي شيئ للشعب الفلسطيني و قضيته، بل عملت معاداته على تعزيز الإنشقاقات داخل السلطة و خارجها مما أضعف موقف المفاوض الفلسطيني و شتت فرص السلام التي كانت متاحة آنذاك.

و مما كان يقوله العميد رفعت في اجتماعات القيادة القطرية :"لماذا نعادي رئيس منظمة التحرير الفلسطينية؟ كيف نعادي رئيس الجهة الوحيدة المتعارف عليها فلسطينياً و دولياً؟ و لماذا ندعم المنشقين عمَّن يمثل الشرعية الفلسطينية؟

و طبعاً معروفة اليوم النتيجة التي حصدها الفلسطينيون بسبب دعم النظام السوري للمنشقين، و هاهما فتح و حماس أصبح لكل منهما دولته!!  

أما إيران فحدث و لا حرج، فقد أنكشفت نوايا إيران الحقيقية الرامية إلى إضعاف العرب و بث التفرقة بين الدول العربية من خلال قيامها بتحالفات خلبية لم تقدم لسوريا و لبنان و العراق إلا الخراب و المزيد من المشاكل. فهل نسي حكام دمشق أن الذي شارك سوريا في حربها ضد إسرائيل هي مصر و ليس إيران؟ و هل تقدم لنا إيران أي نموذج من نماذج التقدم أو الإزدهار أو التحضر لكي نتحالف معها؟ بالطبع لا، فإيران بلد تحكم بالنار و الحديد و لا تستطيع أن تصدر لنا سوى أساليب التعذيب و طبعاً...الشعارات الجوفاء!!

نأتي للإتحاد السوفيتي... ألم يكن العميد رفعت على حق عندما تنبأ بسقوط الإتحاد السوفيتي؟ أين هي الحكمة من معاداة أمريكا و أوروبا و إلى أين أوصلنا هذا الأمر؟

عندما ذهب العميد رفعت إلى موسكو عام 84 ألتقى هناك الرئيس الروسي و تبادل معه الحديث حول أوضاع منطقة الشرق الأوسط فكان مما قاله الرئيس الروسي: إننا في حالة حرب مع أمريكا (إشارة إلى الحرب الباردة) و إننا نعتبر سوريا حليفاً أسترتيجياً و بلداً مهماً لنا. فردَّ العميد رفعت: هل أنتم جادون فيما تقولون سيادة الرئيس؟ كيف لنا أن نصدق هذا و أنتم تُصَدِّرون لنا أسوأ أنواع الأسلحة؟

و الحقيقة لم يكن يوجد أي مؤشر على جدية الإتحاد السوفيتي على دعم سوريا و العرب في صراعهم مع اسرائيل. و لا حتى على جديتهم في اتخاذ موقف واضح من هذا الصراع. فعندما اجتاحت اسرائيل لبنان عام 1982 قامت بقصف السفارة الروسية في بيروت و قد فوجئ الجميع بعدم قيام الروس بمواجهة هذا العدوان و زاد الناس عجباً هو قيام الروس بدعوة الأطراف المتحاربة للتهدئة و كأن الذي أكل الضربة هو سفارة طوالستان!!

بعدها التقى العميد رفعت بالسفير الروسي و أعضاء الحزب الشيوعي السوري ووجه لهم انتقاداً شديد اللهجة و سألهم: (شاهد المقطع التالي)

و من المعروف للعسكريين طبعاً أن سوريا كانت تتلقى خردة الجيش الروسي و ناهيك عن ذلك لم يقوموا بتدريبنا على كيفية أستخدامها بل كنا ندفع ملايين الدولارات لتغطية مصاريف أكثر من 4000 خبير روسي (مع عائلاتهم) كي يقوموا بتشغيل هذه الأسلحة و خاصة أنظمة الصواريخ و الرادارات. و في حرب 82 رفض الروس تزويدنا بالأسلحة الحديثة التي كانت لديهم آنذك كما رفضوا تزويدنا بالمناظير الليلية، فكيف يُمكن الوثوق بهكذا حليف!؟ لهذا كانت توجهات العميد رفعت تقضي بأنه لا بد من مواجهة الواقع كما هو و اتخاذ قرار تغيير خريطة عمل السياسة السورية، بكل شجاعة، لتتوافق مع مصلحة البلد و مواطنيه. إلا إذا كان النظام السوري (و من خلفه حليفه) غير جاد بحروبه و لا يسعى إلى حسم الأمر.

و السؤال الذي تم طرحه على النظام السوري آنذاك: إلى متى ستبقى تخدع هذا الشعب بحروب لا طائل لها سوى تأمين استمرارك و حمايتك؟ و إلى متى يعيش المواطن السوري هاجس الحروب و قانون الطوارئ؟؟

الجواب كان و مازال: إلى أن نسترجع الجولان المحتل.

حسناً..لماذا لم تسترجع الجولان المحتل عندما كانت الفرصة سانحة لذلك عام 1979؟

قبل أن يذهب الرئيس السادات إلى واشنطن أتى إلى سوريا و قال للقيادة السورية: إني ذاهب لتوقيع إتفاقية سلام مع اسرائيل ستسترجع مصر من خلالها كل أراضيها المحتلة و سيتم فوق ذلك تقديم مساعدات أمريكية سنوية لمصر و أنا أقترح عليكم الذهاب حيث أنكم ستسترجعون الجولان المحتل كاملاً و ستأخذون فوقها مساعدات أمريكية سنوية كمصر. فقالوا له إنه لا يُمكن الوثوق بوعودهم و أن ما أخذ بالقوة لا يُسترجع إلا بالقوة. فقال حسناً، أنا سأذهب و سأجرب و إذا صدقوا معي فسيكون بإمكانكم حذو حذوي. و ما أن أدار السادات ظهره حتى انبرت الصحف السورية تصفه بالخائن و العميل و الناكث للعهود و الوعود!!

ربما تسأل عزيزي القارئ هل حدث هذا فعلا ً؟

نعم، لقد حدث هذا. كلنا نعلم أن اسرائيل قد أهتزت هزة عنيفة في حرب 73. و الذي هز اسرائيل ليس ضراوة الحرب فقط بل الذي هزها هو أنها فوجئت بالتخطيط المصري - السوري البالغ الدقة و العالي السرية حيث كانت هذه أول مرة تتفق فيها دولتان عربيتان على شن هجوم واحد في ساعة صفر واحدة. و اسرائيل، و مهما كانت قوتها و شدة صمودها، فإن هاجس أن تتعرض لهجوم مماثل في المستقبل قد أقضى مضجع قادتها لسنوات بعد أنتهاء الحرب. و لهذا سعت اسرائيل بكل الجهود الدبلوماسية لتوقيع اتفاقيتي سلام مع كل من مصر و سوريا برعاية أمريكية على أن تعيد هي الأراضي المحتلة للدولتين و على أن تقوم أمريكا بتقديم مساعدات سنوية لكلتا الدولتين.

لقد تمت مناقشة العرض الإسرائيلي - الأمريكي في القيادة السورية و قال العميد رفعت كلمته في هذا الإجتماع حيث أكد سيادته أننا يجب أن لا نضيع هذه الفرصة، معتبراً أن الإسرائيليون الذين يسعون اليوم للسلام لن يقدموا لنا فرصة كهذه في المستقبل وقال: لقد أتى هذا العرض نتيجة بسالة جيشنا و تضحيات جنودنا في حرب 73، لقد حاربناهم من أجل استرجاع الأرض و هاهم يعيدون الأرض لنا فلماذا نضيع ثمن دماء جنودنا؟ و قال العميد رفعت: إنهم يعرضون السلام علينا اليوم و إذا لم نقبل الآن سيأتي عليكم يوماً تهرولون فيه للسلام و لن تجدوا آذان صاغية.

و هذا ما حصل و يحصل إلى اليوم، فبعد انهيار الإتحاد السوفيتي و بروز أمريكا كدولة عظمى لم  يعد الإسرائيليون معنيون بالسلام  مع النظام السوري. و عرضهم السابق بإعادة الأرض مقابل السلام لم يعد قائماً. بل على العكس من ذلك حاول الإسرائيليون مراراً و تكراراً جر النظام السوري إلى الحرب المباشرة و ذلك اسخفافاً منهم بقدرات هذا النظام المتهالك. و بلغ أستخفافهم هذا إلى أن يقوموا باختراق الأجواء السورية متى شاؤوا، و أن يقصفوا فيها أهدافاً عسكرية و مدنية متى شاؤوا، و أن يُحلقوا فوق قصر "رئيس دولة الممانعة" متى شاؤوا أيضاً. و كالعادة، بعد كل اختراق و قصف اسرائيلي يخرج علينا واحد من الصعاليك و يقول بمنتهى الذل، الرد المناسب في الوقت المناسب. و المواطن يتسائل عن غياب الجيش و غياب الدفاعات الجوية حتى أصبح الناس يتندرون على النظام السوري الخائب بعد كل اختراق اسرائيلي للأجواء السورية.  طبعاً ما كان لكل هذا أن يحدث لو استمع النظام السوري لنصائح العميد رفعت الذي استشعر سقوط الإتحاد السوفيتي قبل سقوطه بسنوات. و ما كان لهذا أن يحدث لو لم يقم النظام السوري بتدمير سرايا الدفاع التي كانت القوة العسكرية الأقوى في البلاد. و الحقيقة هي أن النظام السوري، الذي هاله انهيار الحليف، كان قد قام بوضع أحماله جانباً منذ أن كان الرئيس حافظ الأسد في السلطة، و بدلاً من شعارات الحرب و التوعد للعدو بدأت الصحف الرسمية السورية بنشر شعارات السلام العادل و الشامل! و إلى هذا اليوم يندر أن تخرج صحيفة رسمية من المطبعة ليس فيها صفحة مخصصة للمطالبة بالسلام. و ما أن يشتم النظام السوري رائحة سيناتور هنا و عضو كونغرس هناك حتى ترى صعاليكه يتهافتون للقائه و تطييب الأرض تحت قدميه!!

لقد كانوا يقولون للعميد رفعت أنت تريد أن تفرض علينا النموذج الأمريكي (إشارة لتعارض الديمقراطية مع الإشتراكية) و ذلك رداً على مطالبه بتحرير المواطن و الإقتصاد. فما بالكم الآن؟؟ هل مللتم الإشتراكية التي كانت (و مازالت) حبراً على ورق، أم أنكم أفقتم من غيبوبة الأربعين عاماً!  
و لكن مهلاً، إن هذا لا يعني أن النظام السوري يعمل من خلال تقرُّبه من أمريكا على تحقيق ما كان يُطالب به العميد رفعت. لا، فشتان بين ما كان يُطالب به العميد رفعت و بين ما يقوم به النظام السوري. و كتوصيف دقيق نقول: إن النظام السوري، و بعد انهيار الإتحاد السوفيتي ما فتئ يحاول جاهداً أن يجد متنفساً له عند الأمريكان وذلك بالقدر الذي يؤمن له الإستمرار فقط. أما حقوق الإنسان و الديمقراطية فهي أمور لا يعنيه مجرد التفكير بها لأنها ببساطة تشكل التابوت الذي سينقله إلى عالم الأنظمة المنقرضة.

أما لماذا لم تحذو سوريا حذو مصر فإننا لا نرى سبب وجيه أللهم أن السلام يعني انتهاء حالة الحرب و عودة الحكم للدستور.

و هكذا أضاع النظام السوري فرصة قطف ثمار حرب 73 و أخذ السوريون يدفعون ثمن سياسات النظام الخاطئة. و بعد أن كان الإسرائيليون يعرضون علينا السلام و إعادة الجولان كاملاً مع المساعدات المالية الأمريكية، أصبحوا الآن يدللون أنفسهم على النظام السوري الذي يلهث ورائهم و يضعون شروطاً تعجيزية تنسف أي إمكانية للسلام كالإحتفاظ بمساحات كبيرة من الجولان و تجميد التحالف مع إيران ..الخ. أما المساعدات الأمريكية فلم تعد فكرتها قائمة أصلاً!

بالطبع لا نقول هذا شماتة بالنظام، فليست الشماتة من شيم الفرسان. و ما كان لنا أن نتطرق لهذه الأحداث لو أن النظام أعتذر للشعب عن سوء تقديره و خطأ تدبيره و باشر بإصلاح نفسه. بل الذي نراه هو أن النظام مازال يُكابر رافضاً الإعتراف بالخطأ و تراه يعمل (بطريقة مضحكة) على الترويج لأخطاءه على أنها إحدى إبداعات النظام القائم  و واحدة من عجائب ما توصلت إليه عبقرية القائمين عليه.

و آخر تلك الإبداعات هي قيام النظام السوري بالتنازل بشكل رسمي عن لواء اسكندرون للجانب التركي!!

فهل كانت كل هذه المصائب لتحدث لو كان العميد رفعت الأسد بالبلد؟ بالتأكيد لا...

فقد كان العميد رفعت متيقظاً للأطماع التركية و متنبهاً للفراغ العسكري في شمال غرب سوريا. و لهذا فقد قام سيادته بتشكيل اللواء الجبلي بالقرب من منطقة كسب و تم تسليحه بمضادات الطيران و أجهزة الرادار المتطورة آنذاك. و كان من المقدَّر لهذا التشكيل أن يصل لملاك فرقة كاملة قادرة على صد أي هجوم أو خرق من الجهة الشمالية و الساحلية.    

فقد كان العميد رفعت متيقظاً للأطماع التركية و متنبهاً للفراغ العسكري في شمال غرب سوريا. و لهذا فقد قام سيادته بتشكيل اللواء الجبلي بالقرب من منطقة كسب و تم تسليحه بمضادات الطيران و أجهزة الرادار المتطورة آنذاك. و كان من المقدَّر لهذا التشكيل أن يصل لملاك فرقة كاملة قادرة على صد أي هجوم أو خرق من الجهة الشمالية و الساحلية.    
و أيضاً أثبتت الأحداث أنه لم يكن هناك من داع ٍ لمعاداة الرئيس ياسر عرفات لأن معاداته لم تقدم أي شيئ للشعب الفلسطيني و قضيته، بل عملت معاداته على تعزيز الإنشقاقات داخل السلطة و خارجها مما أضعف موقف المفاوض الفلسطيني و شتت فرص السلام التي كانت متاحة آنذاك.

و مما كان يقوله العميد رفعت في اجتماعات القيادة القطرية :"لماذا نعادي رئيس منظمة التحرير الفلسطينية؟ كيف نعادي رئيس الجهة الوحيدة المتعارف عليها فلسطينياً و دولياً؟ و لماذا ندعم المنشقين عمَّن يمثل الشرعية الفلسطينية؟

ومع مناداة رفعت بأفكار كهذه لم يكن مستغرباً أن يكون في نظر الأسد مداناً ليس بالهرطقة فحسب، بل بشيء يقرب من الخيانة.
غير أنه يجب القول إن معظم السوريين لم يكونوا يرون رفعت بهذه الصورة التي قدمها عن نفسه كداعية إنساني للحرية. بل كانوا يعتبرونه مثالاً صارخاً على الثراء الفاحش من جراء مشاريع تجارية ومالية في سوريا نفسها وفي لبنان.
في 15/ أيار- مايو وفي تطور ظهر وكأنه غير مرتبط بالأزمة استدعى الأسد سفيره من المغرب، وكان السبب الظاهري هو استضافة الملك الحسن لمؤتمر لليهود المغاربة حضره وفد إسرائيلي كان يضم تسعة من أعضاء الكنست. ومن المؤكد أن الأسد قد أغضبته بادرة حسن النية هذه التي أبداها الحسن الثاني لإسرائيل في وقت كانت فيه القوات الإسرائيلية لا تزال محتلة لأجزاء كبيرة من لبنان. ولكنه أراد أن يشير إلى سخطه على ماكان يعتقد بأنه تدخل مغربي في شؤون سوريا. فلقد كان رفعت يعتبر الحسن واحداً من أروع العرب، ويعده صديقاً شخصياً، بينما كان الأسد يرى فيه شخصاً مشبوهاً بشدة، ولم يكن يستطيع أن يغفر بسهولة دورَ المغرب في زيارة السادات للقدس عام 1977.
وكان حل عقدة حرب الأخوين مثلاً كلاسيكياً تقليدياً في فن السيد المسيطر على الحلبة، أنيقاً، وغير متعجل، وموضحاً مدى سيطرة الأسد على أتباعه الجموحين المشاكسين. ففي الثامن والعشرين من أيار/ مايو، وبمساعدة الكرملين، أرسلت طائرة محملة بسبعين من كبار الضباط إلى موسكو لفترة تهدأ فيها النفوس، وكان من بينهم رفعت. وهكذا أبعدوا جميعاً دون أية ضمانة حول ما إذا كانوا سيعودون، ومتى، فذلك كله معتمد على إرادة ( معلمهم ). وبطردهم جميعاً أوضح الأسد بأكثر الطرق علانية أنه لم يكن فيهم أحد لا يمكن الاستغناء عنه. وروى الأسد فيما بعد أن بعض هؤلاء الضباط الكبار ظنوا بأنهم إذا أرسلوا للخارج فسوف ينهار النظام، ( وقد قلت لهم: لا تخافوا على النظام، بل خافوا بالأحرى على أنفسكم)(6) وفي آخر الأمر استدعوا جميعا ً- ماعدا رفعت - للعودة إلى واجباتهم. وبالتخلص منه، باعتباره أغناهم جميعاً وأقواهم، وأكثرهم شعبية أثبت للبلد كلها أنه مسيطر على الآخرين. ولأسباب تتعلق بحفظ ماء الوجه وصف راديو دمشق زيارة رفعت إلى الإتحاد السوفياتي بأنها
( زيارة عمل ودية ). وساعد تشيرنينكو في ذلك بأن قابل رفعت في أول حزيران/ يونيو، ولكن في الخامس من ذلك الشهر كان رفعت يقيم في المنفى بجنيف

- يقول باتريك سيل أن مطالب العميد رفعت بمنح الشعب السوري حقه في أن يعيش حراً قد جعلت منه خائناً في نظر الرئيس حافظ الأسد!!
و هذا من أغرب ما يُمكن للمرء أن يسمعه عن النظام السوري الذي طالما صدَّع آذاننا بالوحدة و الحرية و الإشتراكية.

أما الأمر الأشد غرابة فهو: كيف يكون العميد رفعت هو القائد الوحيد الذي كان يُطالب بحقوق الشعب السوري و بنفس الوقت كان مُداناً من قبل الكثير من السوريين حيث يقول باتريك سيل "غير أنه يجب القول إن معظم السوريين لم يكونوا يرون رفعت بهذه الصورة التي قدمها عن نفسه كداعية إنساني للحرية. بل كانوا يعتبرونه مثالاً صارخاً على الثراء الفاحش من جراء مشاريع تجارية ومالية في سوريا نفسها وفي لبنان"!!

ربما تتلاشى الغرابة هنا إذا قمنا بإجراء تصحيح بسيط لما قاله باتريك سيل. نقول للسيد باترك: إن العميد رفعت كان قائداً عسكرياً و مفكراً أستراتجياً قد أثبتت السنوات العشرين الأخيرة صحة ما كان يدعوا إليه. و هو لم يقدم نفسه للشعب السوري كداعية إنساني للحرية بل هو قدم أفكاره للقيادة العليا و كان يطرح أفكاره هذه في كل المؤتمرات القطرية للحزب. و الشعب السوري لم يكن باستطاعته معرفة ما تتم مناقشته في هذه الإجتماعات. و أيضاً لاتنسى التشويه العلني المتعمَّد الذي تعرضت له سيرة العميد رفعت بسبب أفكاره هذه. و هذا التشويه لم تلجأ له القيادة العليا لمحاربة العميد رفعت فحسب، بل عملت من خلال هذا التشويه و تزوير الحقائق على رمي كل أخطاءها على كاهل العميد رفعت.

أما بالنسبة لذكر الكاتب للثراء نقول: صحيح أننا نقوم بدفع التهم الباطلة عن سيادة القائد رفعت الأسد هنا و لكن دعونا نسأل: من منا لا يحب أن يعيش حياة كريمة؟ إذا استثنينا الزاهدين، سنقول أن تسعين بالمائة من البشر، إذا لم يكن أكثر، يفضلون الحياة الكريمة. و لكن الذي يُميز العميد رفعت الأسد هو أنه يحب العيش الكريم له و لكافة ابناء الشعب السوري، و هذا الذي أكده سيادته في مقابلته مع اسوشيتد برس و قد أشار باتريك سيل إلى الكرم الشديد الذي يُميز العميد رفعت.

و على ذكر كرم العميد رفعت تجدر الإشارة إلى أن البعض في سوريا حاولوا و يحاولون تقليد العميد رفعت في كرمه لكسب المحبين و المؤيدين  و ذلك بإغداق الهدايا و العطايا على أعوانهم و على ضباط الحرس الجمهوري ولكن طبعاً بفارق بسيط و هو أن العميد رفعت كان يغدق العطايا لكل أبناء الشعب و كان يفعل هذا دون إذلال هذا الشعب و دون أن يكلف الدولة قرشاً واحداً. بل كل عطاياه كانت تُدفع من المساعدات التي كان يتلقاها من أصدقاءه العرب. أما من يقلدوه اليوم فقد أشبعوا الناس إذلالاً، و خزينة الدولة إرهاقاً، من دفع العطايا للأشخاص الذين يرون فيهم أستمراريتهم فقط. متناسيين أن المحبة التي يكنها الشعب للعميد رفعت هي ناتجة عن حب العميد رفعت لشعبه و عن إخلاصه و وفاءه له.

ربما يقول قائل: أنا سوري و لم أحصل في حياتي على أي مساعدة من العميد رفعت لا أنا و لا أي واحد من عائلتي.

نقول لك أنت مخطئ. لأنه لا يوجد أي سوري، عاش في سوريا في عهد العميد رفعت، لم يستفد من عطايا العميد رفعت. و لا يوجد سوري منهم لم يتضرر جراء مغادرة العميد رفعت للبلد. و سننشر هنا لأول مرة ما لا يعرفه معظم السوريون: إن كل المساعدات العربية التي كان يدفعها أصدقاء العميد رفعت كانت تصل للبنك المركزي بطلب من العميد رفعت و ليس لحسابه الخاص و لهذا السبب حافظت الليرة السورية على سعرها أمام الدولار طيلة وجود العميد رفعت.

و ما لا يعرفه أغلب السوريون أن العميد رفعت قام برعاية إنتاج سيارة الشام في عام 1983 و هو الذي أطلق عليها أسم شام. و قد تم عرض أول سيارة تم إنتاجها على العميد رفعت حيث نُقلت بعد تصنيعها مباشرة إلى مكتب سيادته بمعسكرات القابون. و قد قام بدوره بعرضها على الرئيس حافظ الأسد الذي فوجئ بها و طلب تأجيل المشروع لأسباب أقتصادية. أما الغريب في الأمر هو قيام النظام السوري بإحياء مشروع هذه السيارة بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد ليصار إلى تصنيعها بأيدي إيرانية بعد أن تم تصنيعها في السابق بإيدي سورية.!!

و أيضاً ننشر هنا لأول مرة أن العميد رفعت كان يتعرض للكثير من الضغوط كي يوقف مساعداته لشعبه و هو الأمر الذي رفضه جملة و تفصيلاً. و أتت الحرب العشواء التي تم شنّها على منزل العميد رفعت في اللاذقية لتتسبب بقطع المساعدات الشهرية عن آلاف العائلات الفقيرة. و قد ذهب ضحية هذا الهجوم العديد من القتلى و الجرحى، كما تم اعتقال المئات ممن أتوا من أجل استلام المساعدة و تعرضوا للتعذيب و المهانة. بالطبع سنفرد لهذه الحادثة (المُبكية و المضحكة بآن واحد) بعض من صفحات هذا الموقع كي يتعرف السوريون على حقيقة ماجرى في ذلك الوقت حيث ثم تضليلهم و خداعهم بقصص لا علاقة لها بالواقع لا من قريب و لا من بعيد. فترقبوا سردنا لحقيقة ما جرى قريباً بإذن الله.  

نعود لما يقوله الكاتب حيث يقول أن الرئيس (طرد) خصومه خارج سوريا و لا أدري يا سيد سيل لماذا استعرت هذا التعبير في هذا المقام مع أنك أنت بنفسك ذكرت لنا كيف أن الرئيس هو الذي ذهب لمنزل العميد رفعت لإيجاد مخرج من الأزمة.
فهل يستقيم منطقياً أن نقول: إن الرئيس قد ذهب إلى هناك كي (يُملي شروطه) و (يطرد)؟ بالتأكيد لا.. و حيث أنك قلت أنه تعهد بحماية أرصدة العميد رفعت، فإن المُتَعَهِّد (منطقياً) يكون هو الذي أذعن للشروط و ليس العكس. فهل أوفى سيادته بهذا العهد؟

على أي حال نعود و نؤكد أن العميد رفعت هو الذي قرر أن يترك البلد (تاركاً الجمل بما حمل) و قال أنه لن يعود حتى تقوم القيادة بإصلاح نفسها. فطلب إليه الرئيس أن يصطحب معه بعض القادة من الضباط و ذلك كي (يصالحهم) و كي لا يبقى بينه و بينهم أية ضغائن. فوافق العميد رفعت مرحباً بهذا الأمر.

و لكن الذي (لم يُفاجئ) العميد رفعت، هو أنه عندما سأل عنهم في اليوم التالي علم أنهم عادوا كلهم إلى سوريا. فضحك العميد رفعت متألماً، و أضحك من كانوا حوله، على غياب المبادئ و القيم و المثل العليا

الهوامش

(6) مقابلة مع الرئيس الأسد في دمشق في 18 / 3 / 1988

 

 


 

 

 

 

آخر تحديث الاثنين, 02 ديسمبر 2019 23:28