أفاميا صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها Administrator   
الجمعة, 16 فبراير 2018 17:32

ما لابد من قوله

أهلاً بالقراء الكرام في هذا المعرض حيث نروي بعضاً من كم ٍ ، و يسيراً من جزيل ٍ ، فصلاً من فصول ٍ ألبس فيها النظام السوري ، كعادته ، الخديعة رداء الفضيلة و  الغدر رداء الوفاء و المآرب الدنيئة رداء الزاهدين ، و المصالح الخاصة رداء مصلحة وطن بأكمله ، في حادثة تعدٍ في وضح النهار ، يتعدى فيها الإنسان على حقوق أخيه الإنسان ، فيغزو داره و يستبيح محرماته و يحطم ممتلكاته. شاهراً السلاح بيمينه و ملوّحاً براية الوطن بشماله ، مستدبراً مكارم الأخلاق و أصول التعامل الآدمي ، و مستهتراً بجميع القيم الإنسانية. و طبعاً، بلا حسيبٍ و لا رقيب.

 

الأمر الذي ما كان له أن يحدث لو كان في دولتنا قانون يحكمها ، و قضاء عادل يسود فيها. بل لا يحدث هذا إلا في الغابات المقفهرة التي تسكنها الوحوش الضارية و لا تطأها أقدام الآدميين. و لا يحدث هذا إلا في ظل وضعية شاذة  يُنَصَّبُ فيها  الجاهلون أئمة ، و صورة مقلوبة تصبح الأحذية فيها مكان الرؤوس.

أقول مستبقاً: من السهل على اللامبالين الآن ، و ما أكثرهم في بلادي ، استباق الأبواب ، بل و النوافذ ، هرباً من إمعان النظر فيما سنعرضه ،
و فراراً من إعمال الفكر فيما يُجهده. فهذا ينساب بنفسه ، و ذاك يدير رأسه ، و الآخر يردف "هذا فخار فليكسر بعضه".

و من السهل أيضاً على المخالفين لنا ، كثر عددهم أم قل ، الكشف عن النواجذ ، و إطلاق عنان المسرات ، فهذا تُدغدغه الشماتة و ذاك يستشفي غليلاً أحاق بصدره ، و آخر يستوقد بقصصنا نار التسامر في ليلة البدر!!

و نحن و إن كنا نقوم الآن بدفع تهمة باطلة ألصقها السفهاء بنا ، و نرصد واحدة من اعتداءات الخارجين عن القانون علينا ،  إلا أننا  لا نُجهد أنفسنا استداراً للدموع ، و لا آملاً بالشفقة ، و لا حتى الربت على الأكتاف. راجين من الله أن لا يهتز لأجلنا خاطر أحد.

فأدوات برائتنا معنا ، و الدليل على إدانة غيرنا (حتى العظم) بحوزتنا. و لا نتطلع الآن لأكثر من أن يشهد الجميع ارتداد سفاهة السفهاء على لحاهم ، و أن يعاين شعبنا عن قرب عيبة الحبيبة سورية و مصيبة شعبها الكبرى ، ليصدق في السفاء القول "للباطل جولة و للحق دولة".

بل نُجهد أنفسنا شفقة منا على وطننا السليب و شعبنا الذي يعيش على أرضه غريب. نُجهد أنفسنا للبحث في الأسباب التي أوصلت شعبنا إلى ما هو عليه من استكانة لقوانين الوحوش و لننقاش الأسباب التي أوقعت الوطن فريسة لحفنة من اللصوص ، فضاعت جهود ابراهيم هنانو وصالح العلي وسلطان باشا الاطرش و حسن الخراط و زكي الارسوزي... بل ضاع الوطن بأكمله!!

نقول للجميع ، لكل من في قلبه ركن لسوريا الحبيبة : إننا كلنا معنيون و كلنا مسؤولون ، شئنا أم أبينا ، عن غياب القانون و اعوجاج الأخلاق و انحراف القيم. عن انعدام الوسيلة و عجز الهمم. عن تقدم الأنا و تأخر الوطن. كلنا مسؤولون عن غياب الإنسان بقيمه و غياب المواطن بقيمته.

و لو أننا تعودنا جميعاً أن نهبَّ ضد ظلم ٍ تعرض له أخاً لنا في الوطن ، لما كان للوضعية الشاذة وجوداً ، و لما أنقلبت الصورة ، و لما وصلنا إلى مانحن عليه الآن من تشرذم و تفرقة و تأخر و تخلف.

لا نطالبكم بالثورة و لا نستحث فيكم عصياناً و لا حتى اعتصاماً. بل إننا سَنُلين لكم القول كي نخفف عليكم ، و سنهمس لكم كي لا نرهق آذانكم.

و لكن اسمحوا لنا بين الفينة و الأخرى بزجرة هنا و صيحة هناك... زجرة ننهر بها لصوص بلدنا المنهوب ، و صيحة نستوقِظ بها من شعبنا كل مَن أخذته غفلة الأربعين عاماً... لا لشيئ ، فقط لنسألهم ما إذ كانت خريطة خلاص هذا الوطن قد اعترضتهم في أحلامهم أم ليس بعد!!!


لقد تعرفنا في البحثين السابقين  "ثلاثة أشهر هزت سوريا" و "حرب الأخوين" ، على الأسباب التي أدت إلى افتراق العميد رفعت الأسد ، الكامل ، عن الطريق الذي كان  يجمعه ، شكلياً ، بالنظام السوري القائم آنذاك. و تعرفنا أيضاً على بعض أشكال التعذيب و التشريد التي تعرض لها فرسانه و كل مؤيديه و محبيه..

نقول، بالإضافة لكون القائد رفعت الأسد رجل دولة و قائد عسكري فإنه أيضاً رب لأسرة نشأ و ترعرع أفرادها على حب هذا  الوطن ، و هم في ارتباطهم بوطنهم كشجرة أرست جذورها في أعماق أرضها فلا تفترق عنها و لا يجدي أقتلاعها منها.

هذه الأسرة الكريمة كان لها نصيب من العذاب أيضاً ، فتعرض أفرادها لما تعرض له فرسان القائد من مضايقات و غادروا البلد عام 1984 كارهين لمفارقتها و مفارقة أقربائهم و أحبائهم. كما غادر معهم و لحق بهم المئات من الفرسان و المؤيدين و المحبين الذين تمكنوا من السفر بعد أن عملوا المستحيلات لمغادرة الحدود السورية. 

عام 1992 سمع سيادة القائد - متأخراً - بنبأ وفاة والدته رحمها الله ، و لو أن الأصول ، حتى في البلاد التي لم تزرها الأديان أو الحضارة بعد، تقضي بأن يكون سيادته أول من يتم إبلاغه بنبأ كهذا. و يبدوا أن الشغل الشاغل للنظام السوري آنذاك كان العمل على تأخير وصول القائد و التعجيل بعملية الدفن لإتمامها قبل وصول سيادته إلى القرداحة منعاً لحدوث مالا يريد له النظام أن يحدث.

استقل القائد الطائرة مباشرة متوجهاً إلى دمشق. و قد علمنا أن الطائرة هبطت في قبرص أولاً لأسباب مجهولة إلا أنه اتضح لاحقاً أن هذا التوقف قد أتى نتيجة محاولةٍ لمنع وصول سيادة القائد إلى سوريا...

و صل القائد إلى مطار حميميم و كان في استقبال سيادته العديد من القياديين السابقين في سرايا الدفاع الذين كانوا يعلمون بوصول سيادته و استقل السيارة متوجهاً إلى القرداحة.

و عندما و صل موكب القائد إلى القرداحة كانت الجماهير في طريق العودة من مكان الدفن و كانت الدهشة و الذهول لغياب القائد تعلو وجوه الجميع. و ما أن لاح موكب القائد للجماهير حتى بدأ الناس يهتفون إنه القائد إنه القائد و هبَّ الآلاف من الناس هبة واحدة لاستقبال سيادته و ألتحق بهم المئات من عناصر الحرس الجمهوري و بدأ بعضهم يطلق النار ابتهاجاً و حملوا السيارة التي تُقلُّ القائد على الأكتاف و ساروا بها لأمتار قبل أن يترجل منها سيادته فحملوه على الأكتاف و عادوا مع سيادته إلى مكان الدفن. و لم يعجب البعض تصرف الجماهير العفوي هذا ، فزج بالعشرات من الجمهور و من عناصر الحرس الجمهوري بالسجون بعد أن أوسعوهم ضرباً. و هنا يوجد لدينا من القصص ما يرتعد من ذكرها البعض و لكننا سنتجاوز عنها الآن كي لا نطيل عليكم.

لقد استطاع النظام السوري إتمام عملية الدفن قبل وصول القائد ، و للأسف بقيت الحسرة و الألم ترافقا سيادته لأنه لم يتمكن من وداع والدته رحمها الله. و لكن النظام فشل من تحقيق الهدف الذي تم تعجيل الدفن من أجله.

و لكي نفهم أمراً كهذا نقول: إن حرباً تعلنها عشر دول دفعة واحدة على سوريا أهون على النظام السوري من مشاهدة هذا الحشد الضخم من المواطنين و هو يبتهج بوصول سيادة القائد. و قد اعتقد النظام أن تأخير وصول القائد ، أو عرقلة مجيئه ، سينقذ ماء وجه النظام الذي طالما أراد القول أن العميد رفعت الأسد لا يحظى بشعبية تُذكر في سوريا. و لكن ألا تحلم العصافير بالنيل من النسر!!

لم يكن في ذهن القائد أن يطيل إقامته على أرض سوريا ، فأسباب الخلاف مع النظام السوري مازالت قائمة و لم يكن سيادته بصدد الخوض فيها ولا حتى مناقشتها مع القيادة السورية. و قد كانت جميع الترتيبات تشير إلى أن القائد  سيعود إلى مكان إقامته في غربته فور إنتهاء مدة العزاء بالفقيدة رحمها الله.

إلا أن لقاء القائد مع أبناء شعبه بعد هذا الغياب الطويل كان له أثره في تغيير ترتيبات سيادته.

فالفقر و العوز الذي رآه عند الشعب و ضيق الحال و قلة المورد اللذان وسما الكثيرين من أبناء الوطن ، كانت هي الأسباب التي جعلت سيادته يعدل عن نيته بالعودة إلى المهجر. فأصدر أوامره بأن يعود جميع من غادروا معه إلى أرض الوطن. و أعطى توجيهاته لمدير مكتبه المالي بتوزيع المساعدات للعائلات السورية الفقيرة و لكل من يطرق الباب طلباً للمساعدة. و قد وصل عدد هذه العائلات عام 1994 إلى عشرة ألاف عائلة على أمتداد سوريا و من جميع المحافظات و المدن السورية بلا استثناء ، بمخصصات شهرية تراوحت بين 5.000  و 10.000 ليرة لكل عائلة و ذلك حسب تعداد أفرادها. و بعد أن دفع الله عنهم كربة الضيق و أزال عنهم مرارة الحاجة ، انتعش الكثيرين من أبناء سوريا و أنتعشت الأسواق نسبياً في تلك  الفترة.

و نتحدى أن يقول لنا أحداً أنه رُدَّ خائباً. و نتحدى أن يقول لنا أحداً أنه قد طلب إليه التحزُّب أو أن يتبنى وجهة نظر سياسية معينة ، أو أنه قد تم تحميله أية أعباء ، أو تم تكليفه بأية مهام لقاء عطاء القائد.

وفاة باسل الأسد: حادثة مؤسفة للشعب السوري عموماً و مؤلمة لكل من عرف هذا الفارس العربي عن قرب. و طبعاً كانت مؤلمة جداً للقائد رفعت الأسد الذي فقد واحد من أعز أولادة

لقد كان القائد مولعاً جداً بابن أخيه باسل رحمة الله عليه و في هذه الصورة يظهر سيادة القائد و عيناه تكاد تحتضنان أبن أخيه.

يُذكر أن باسل الأسد نال حظاً وفيراً من عناية سيادة القائد له و تلقى تدريباته في مدراس سرايا الدفاع حيث أمتهن فيها الفروسية و تطبع بمعاني البطولة و الفداء.

و تلقى سيادته العزاء بوفاة أبن أخيه و الحزن يعصر قلبه. و رغم الترتيبات المشددة التي انتهجها النظام أثناء الوفاة للتعتيم على وجود القائد في جلسات العزاء(1) إلا أن المواطنون كانوا يتجمهرون بالآلاف يومياً أمام منزل سيادته.

(1) تم توجيه مصوروا التلفزيون أن لايقتربوا بكاميراتهم من مكان جلوس سيادة القائد ، و بالفعل مرت مقاطع العزاء في التلفزيون دون أن تعرض أي لقطة لسيادته. و قد لاقى هذا الأمر استياءً و تعجباً من عموم الشعب... الناس في حزن و أصحاب المصيبة في تدبير!!

اللقطة التالية التي بثتها كاميرا التلفزيون لسيادة القائد كانت سبباً لتوجيه انتقاد شديد اللهجة من قبل القيادة لوزير الإعلام السوري محمد سلمان و تم التأكيد عليه أن خطأ كهذا يجب ألا يتكرر. لاحظوا كيف يقف سيادة القائد بعد الأستاذ زهير مشارقة بترتيب الشخصيات التي تتقبل التعازي و كان من الأولى أن يكون مكان سيادته بعد الرئيس مباشرة كون سيادته عم الفقيد من جهة و نائب رئيس الجمهورية من جهة أخرى.
و استبعاد سيادة القائد هكذا ليس صدفة على الإطلاق إذ يوجد للتعازي أصول تُراعى ، و قد كان الشعب السوري خصوصاً و العربي عموماً يراقبون هذا الأمر بكثير من الفضول













ألم يكن السيد سمير جعجع على خلاف مع النظام السوري؟ نعم ، و لكنه إجلالاً للوفاة و عملاً بالأصول فقد نحى خلافاته مع النظام جانباً و أتى لتقديم واجب التعزية. و هكذا فعل المرحوم الرئيس ياسر عرفات. و لهذا فقد كان أولى بالنظام السوري أن ينحي خلافاته مع سيادة القائد جانباً و يعمل بالأصول المتعارف عليها لدى جميع الأمم ... بل حتى لدى القبائل التي لا تعرف ماهو التلفاز بعد!!

و رغم محاولات النظام هذه لثني القائد عن الحضور فقد كان سيادته مصراً على حضور مراسم العزاء كاملة ، و لم يكن في هاجس سيادته سوى الدعاء لله أن يرحم ابن أخيه و يسكنه فسيح جناته.

يوم العزاء السابع: الذي حصل في يوم العزاء السابع كان أقرب لملحمة تاريخية شهدتها مدينة القرداحة و كان أبطال هذه الملحمة هم مئات الاف من المواطنين من جهة ، و الحب و التأييد الذي يكنه شعبنا لسيادة القائد من جهة أخرى. و الحادثة كما يرويها لي أحد عناصر مرافقة سيادة القائد:

"خرج سيادة القائد و السيد الرئيس رحمه الله سوية من المنزل و توجها إلى منصة العزاء بسيارة واحدة ، فلحقنا بهما و موكب القائد (السيارات و عناصر المرافقة) برفقتنا. و عند انتهاء العزاء همَّ سيادتهما بالعودة و قف جميع من كانوا على المنصة بالإضافة إلى مرافقة الرئيس و لم يعد بإمكاننا مشاهدة سيادة القائد. و عندما تحرك موكب الرئيس عائداً أعتقدنا أن القائد قد عاد معه بنفس السيارة ، فأخذنا موكب القائد و عدنا إلى منزل الرئيس. و لما وصلنا فوجئنا بأن القائد لم يكن قد عاد بعد. فعدنا أدراجنا إلى منصة العزاء و إذا بالقائد محمولاً على الأكتاف و مئات الآلاف
من الجماهير حول سيادته يهتفون بإسمه. و لم يكن بالإمكان إيصال السيارات لمكان وجود سيادته ، فأخذنا ندفع بأنفسنا باتجاهه محاولين اختراق هذا الحشد المرصوص من المواطنين. و بعد حوالي نصف ساعة استطاع إثنان منا الوصول إلى سيادته و سمعناه يقول للقريبين منه و للرجل الذي يحمله "أنزلني يا بني هذا لا يجوز فنحن في حزن و في عزاء" و استطعنا إنزال سيادة القائد و كانت بالصدفة سيارة وزير الإعلام متوقفة هناك ففتحنا بابها بصعوبة و صعد القائد فيها و حمدنا الله على سلامة سيادته. ووصلت السيارة إلى منزل القائد شبه محطمة بسبب تدافع الجماهير نحوها".

القرداحة و جوارها: الأرض التي ترعرع عليها سيادة القائد حيث الأقارب و الجيران من أبناء الضيع المجاورة و الذين اعتادوا على مساعدات القائد لهم كانت أحوالهم لا تسر العدو ، فقد كانت بعض العائلات تنام جائعة و هذه حقيقة لا ينكرها إلى العميان. و إن بقاء القائد في القرداحة طيلة فترة العزاء بالمرحوم باسل جعلت سيادته يشهد عن قرب معانات أبناء هذه الضيع الفقيرة فأمر سيادته بدفع مبلغ 1.000 (ألف ليرة سورية) لكل فرد شهرياً و قد كان يصل هذا المبلغ إلى أكثر من عشرة آلاف فرد.....

و هنا عادت المضايقات لتظهر من جديد و تؤرق العميد رفعت و كل من هم حوله ... فالقائمون على النظام لا يرحموا و لا يتركوا رحمة الله أن تطال العباد. و بدء الرئيس حافظ الأسد رحمه الله يبعث بالرسائل واحدة تلو الأخرى للعميد رفعت الأسد كي يتوقف عن مساعدة الشعب السوري.

و أخذ النظام يدفع نحو التصعيد من خلال الضغط على القائد و خلق الأزمات المتلاحقة ، فقام خلال أسابيع بطرد ضباط سرايا الدفاع  و  أعضاء رابطة خريجي الدراسات العليا من بيوتهم التي يملكوها.
(2) كما قام بمصادرة معسكرات القابون و مكاتب المزة بالإضافة إلى مكتب القائد و مكاتب المنارة.

(2) تماماً كما فعل النظام مع سكان بيوت السومرية التي كان سيادة القائد قد بناها و ملَّكها لجنود سرايا الدفاع و غيرهم من السوريين. .

كما قام النظام بمصادرة الأموال التي كانت تصل عن طريق لبنان مرتين متتاليتين ، بحجة أن الشعب السوري شبعان و ليس بحاجة للمساعدة. و قد علمنا من مصادر موثوقة في القصر الجمهوري أن النظام اشترى بهذه الأموال سيارات جديدة  ووزعها على الفقراء الوزراء و رؤساء أفرع المخابرات!!

و في حركة تعكس تخبط النظام ، قام بتسيير دوريات مشتركة و إقامة حواجز تضم عناصر من شرطة المرور و الشرطة العسكرية و المخابرات العسكرية لملاحقة و مصادرة السيارات التي كانت تعمل بمنزل القائد رفعت الأسد بحجة أن هذه السيارات تسير بلا ترخيص رسمي(3) ، مع أنها عائدة أصولاً إلى نائب رئيس الجهمورية لشؤون الأمن الدكتور رفعت الأسد!!

(3) هل يوجد نظام عاقل على هذا الكوكب يصادرة سيارات شخص هو نائب رئيس الجمهورية فيه؟؟!!  

و طالت المضايقات الكثيرين ممن كانوا يأتوا لاستلام الإعانة المالية ، فمنهم من تم أعتقاله ، و منهم من تمت مضايقة أولاده أو أقرباءه بفصلهم من العمل أو النقل إلى محافظة أخرى ، كما عملت أجهزة الأمن على نصب أفخاخ للعائدين إلى منازلهم بعد تسلمهم الإعانة و ما أن تقع الفريسة بالفخ حتى ينهالوا عليها ضرباً مبرحاً على الرأس و الجسد قبل أن يتواروا عن الأنظار.

و هنا احتار سيادة القائد من أمره.. ماذا يريد النظام و لمَ هذه التصرفات الغير مسؤولة؟!!

و لكي يتجاوز كل هذا ، و منعاً لتجدد الخلافات السابقة ، أمر سيادته بشراء سيارات مدنية لتعمل في المنزل بدل السيارات الأمنية.

كما أمر سيادته بإنشاء معمل للخياطة في القرداحة(4) و هكذا أصبحت المساعدات تُدفع تحت مظلة هذا المعمل. و كان الأستاذ شفيق أرناؤوط (محافظ اللاذقية السابق) هو مدير هذا المشروع و كان يشرف على توزيع المساعدات هناك.!!

(4)  لم يكن معمل الخياطة مشروعاً ربحياً ، فقد كان مقرراً أن يتم توزيع كل ما ينتجه المعمل على الفقراء مجاناً لإعانتهم على الفقر و تخليصهم من مرارة الحاجة و السؤال.

إلا أن هذا المشروع لم يعجب البعض ، فبدؤا بوضع العراقيل للحيلولة دون إنجازه. و بدأ مدير المشروع و العاملين فيه يتعرضون للمضايقات ، و كأن أجهزة الأمن و الشرطة في محافظة اللاذقية لم يعد لديهم ما يشغلهم سوى هذا المعمل الذي يُطعم الفقراء.

و لكن لا عجب... فسياسة المحتاج أسهل بكثير من سياسة المكتفي!!

بحلول صيف 1996 و في خضم سعي السلطة لإعاقة إنشاء هذا المعمل بدأ سيادة القائد يكثف من زياراته إلى الساحل السوري حيث كانت "شاليه أفاميا"(5) التي يقوم سيادته بإنشاءها على ساحل مدينة اللاذقية قد شارفت على الإنتهاء.

(5) الإسم مقتبس من اسم المنطقة التي تقع فيها الشاليه.

و في كل مرة كان القائد يزور فيها أفاميا أو القرادحة كان المواطنون يتوافدون بالآلاف يومياً إلى مكان تواجد سيادته ، إن كان طمعاً برؤية القائد ، أو طلباً للمساعدة ، أو لعرض مظلمة. و قد كانت أوامر القائد تقضي بعدم رد أي مواطن سوري و قبول جميع طلبات المساعدة أو العمل.

و هكذا فقد كان مدير شاليه أفاميا و مساعدوه يستقبلون جموع الوافدين و يرحبوا بهم و يقوموا بتعيين من يطلب العمل مباشرة - في الحراسة أو في خدمة حدائق المنزل أو في المزارع القريبة - و حيث أن أعداد الوافدين كانت أكبر بكثير من الأماكن الشاغرة للعمل فقد كان يُطلب من كل عامل أن يأتي للعمل مرة واحدة في الأسبوع ، أما بقية المواطنين الذين لم يبقى لهم مكان للعمل فقد كان يُطلب إليهم الحضور مرة كل شهر لاستلام الإعانة المالية.

و بالنسبة للوافدين من أجل عرض مظالمهم على القائد فقد كان أغلب هؤولاء هم ضباط و عناصر سابقون في سرايا الدفاع و في وحدات الجيش الأخرى - الذين تم التنكيل بهم و تعذيبهم و طردهم من الجيش بسبب تأييدهم لسيادة القائد - و قد كان مدير المنزل يعتذر للضباط عن عدم توفر عمل مناسب لهم ، إلا أنهم كانوا يقولون أنهم مستعدون لعمل أي شيئ حتى في الحراسة:

"لنا الفخر أن نحرس القائد" ... "دعونا نحرس القائد" هكذا كانوا يقولون في سبيل البقاء بالقرب من سيادة القائد.

و مع ازدياد الضغط على مدير مشروع معمل الخياطة و العاملين فيه أمر القائد أن يتم التعامل مع الدوائر الرسمية عن طريق القضاء.

و بالفعل قام المحامون بإقامة الدعاوي على الدولة لإعاقتها إنشاء هذا المعمل. و بالرغم من أن القضاء قد أصدر حكمه لصالح المشروع إلى أن المضايقات تضاعفت و أصبح اعتقال الناس التي تعمل بالمشروع و تلفيق التهم لهم هو الشغل الشاغل للأجهزة الأمنية. و ليتهم سخروا الدهاء و المكر الذي استعملوه في تدمير هذا المعمل على إيجاد طريقة لاسترجاع لواء اسكندرون المسلوب.

رغم هذا ، و رغم قيام أجهزة الأمن بمحاصرة المعمل لمراقبة الداخل إليه و الخارج منه (في رسالة للناس أننا نراكم و سننتقم منكم ) فقد استمر المواطنون يأتون بالآلاف للمعمل و لم تستطع كل أساليب المخابرات من ثني أبناء هذا الشعب عن حب القائد و التعلق به.

و هنا رحلت الحيرة من حضرة سيادة القائد و سكنت إلى الطرف الآخر لتقضي مضجعه غيرة و حسداً...

"لماذا لا يحبنا الناس كما يحبوا أبا دريد؟"

"لماذا يستثقل الناس دماء أولادنا بينما دماء أولاد أبا دريد خفيفة عليهم؟؟؟"

فاستلهم بعضهم غرائزه و أقسم: " تالله لأهَجِّرَنَّ هذه العائلة و لأذرُوَنَّ ذكراها في مهب الريح ... و لكن كيف؟؟؟"


لقد قلنا أن النظام عمل على مطاردة و مصادرة السيارات التي كانت تعمل في خدمة منزل نائب رئيس الجمهورية القائد رفعت الأسد و قلنا ان سيادته أمر بشراء سيارات مدنية لخدمة المنزل و ذلك ترفعاً عن السؤال و حتى الإستفسار عن أسباب هذا العمل اللاأخلاقي.

و لكي نشرح الأمر:  لقد جرت العادة في سوريا أن تقوم الدولة ، ممثلة بإدارة المركبات أو ما يشاكلها ، بتزويد الرئيس و نواب الرئيس و المسؤولين و كبار الضباط بالسيارات ، إن كانت سيارات شخصية أو تلك التي تعمل في خدمة المنازل. و يضاف لهذه الإمتيازات أن يحق لمكاتب الرئيس و مكاتب نواب الرئيس و قادة أجهزة الأمن و بعض قادة الجيش إصدار تراخيص لسير السيارات التي لا تعود ملكيتها للدولة ، إذ تقوم الجهة التي تمنح الترخيص بتزويد المستفيد بلوحة سيارة (رقم) و ذلك بالتنسيق مع إدارة المرور ، على أن يشتري المستفيد سيارة من ملكه الخاص ، إلا أن هذه اللوحة تعمل على إعفاءه من دفع الجمارك و الضرائب التي يدفعها عادة المواطن السوري حين يعمل على استيراد أو شراء سيارة. و تُسمى هذه اللوحات باللوحات الأمنية و لا يوجد مايميزها (شكلاً) عن مثيلاتها المدنية الصادرة عن إدارة المرور.

طبعاً ، و خلافاً لهذه العادة ، فإن المكتب و المنزل العائدين لنائب رئيس الجمهورية القائد رفعت الأسد لم يتسلما أي سيارة من الدولة.
بل إن السيارات التي كانت تعمل في منزل سيادته كانت تعود لفرع أمن سرايا الدفاع و هي سيارات قديمة و كانت تتعطل باستمرار. و هذه كانت من أكبر المفارقات التي تواجه العاملين في منزل سيادة القائد "قائدنا يوزع ملايين الليرات على الشعب و السيارات التي تخدم منزله مهترئة!!"

بطبيعة الحال كان مكتب نائب رئيس الجمهورية القائد رفعت الأسد قد قام في أوقات سابقة بتوزيع عدد من اللوحات (الأرقام)  على عدد من  الضباط و الموظفين الذين يعملون في مكتب سيادة القائد و على عدد غفير من المواطنين منهم أستاذة بالجامعة و أطباء و محامين و ضباط سابقين في الجيش العربي السوري ، و هذه اللوحات مزودة بتراخيص و أوراق رسمية صادرة عن مكتب نائب رئيس الجمهورية. و هذا المكتب هو الذي كان قد أصدر تراخيص سيارات الخدمة التي تعمل في منزل السيد نائب الرئيس.

كيف كان النظام السوري يُصادر هذه السيارات؟

تقوم دوريات مؤلفة من شرطة المرور و الشرطة العسكرية و المخابرات العسكرية بنصب كمين على إحدى الطرق المؤدية لمنزل نائب الرئيس
و يكونوا على إتصال لاسلكي بمرشد مموه (عامل قمامة على الأغلب) بالقرب من منزل نائب الرئيس يراقب تحرك السيارات و ما أن تخرج واحدة من سيارات المنزل حتى يقوم بإبلاغ الدورية عن لونها و رقمها. فتقوم الدورية بتوقيف السيارة و مصادرتها بعد طرد السائق منها بحجة أنها غير مرخصة.

بالإضافة لذلك كانت هناك كمائن متفرقة في منطقة المزة و أبو رمانة و المهاجرين و غيرها لضبط السيارات التي تعود لمكتب سيادة القائد.
و قد عانى أصحاب هذه السيارات الأمرًّين ، ناهيك عن الإرهاق الذهني و النفسي الذي يُحيل صاحبه للتساؤل هل نحن في دولة أم في زريبة؟

قوم الدورية بطلب أوراق السيارة من هذا الطبيب أو ذاك المحامي فيُقدم صاحب السيارة الأوراق الرسمية التي تُثبت صلاحية قيودها و صحة أوراقها ، فيطلبوا منه الترجل من السيارة لأن أوراقها غير قانونية. فيقول صاحب السيارة إن أوراق سيارتي مصدًّقة من مكتب نائب رئيس الجمهورية و هو ثاني أعلى سلطة بالبلد ، هلا أبرزتم لي القرار الذي يُلغي مفعول هذه الأوراق؟ يقولون له لا يوجد قرار و لكن هذه هي الأوامر.


إذا سَلّم صاحب السيارة بمقولة أننا نعيش في زريبة فإنه يترك السيارة لهم و يمشي بأمان الله. أما إذا أصر على أن هذا العمل غير قانوني

و البلد يحكمها القانون فإنه يدفع ثمن ذوده عن القانون مباشرة (كاش) فيأكل ضربأ مبرحاً قبل أن يتم اعتقاله و ترحيله إلى أقبية التحقيق.

و هذا ماحدث مع واحدة من أفضل فارسات سوريا و هي الفارسة زبيدة مقابل و قد كانت موظفة في مكتب نائب رئيس الجمهورية. هذه الفارسة الشجاعة اصرت على أن البلد يحكمها القانون و رفضت تسليم سيارتها ، فهجم عليها رجال إحدى الدوريات و انهالوا عليها ضرب

و رموا بها في السجن عدة شهور.


يُذكر أن هذه الصورة بقيت لأشهر تتصدر غلاف مجلة الشعب العربي التي كان يشرف على إصدارها الدكتور سومر الأسد.

و لكن للحق نقول أن الكثيرين من رجال هذه الدوريات كانوا يعتذرون بشدة إذا كان يوجد في السيارة أحد أفراد عائلة سيادة القائد أو إذا كان فيها أحد الضباط الذين كانوا يعملون في مكتب سيادته كأن يقولوا اعتذاراً عن إعتراض السيارة "نرجوكم أن لا تؤاخذونا فنحن نقوم بتفيذ الأوامر مع أننا مقتنعين بأنها أوامر غير صائبة، تفضلوا يمكنكم متابع المسير".

الذي حصل بعد وفاة المرحوم باسل الأسد هو أن هذه الدوريات بدأت تستهدف سيارات الضباط العاملين في مكتب سيادة القائد و طال هذا الإستهداف سيارة مدير المكتب شخصياً إذ خرج من منزله صباحاً ليكتشف أن السيارة غير موجودة. فذهب إلى عمله سيراً على الأقدام ، و قام بالإتصال ببعض الجهات الأمنية للإستفسار عن مكان وجود السيارة. و لأنه من أبطال حرب تشرين و ضابط له وزنه و معارفه بالدولة فقد أعتذر منه أحد مدراء أجهزة الأمن و قال له بأن السيارة موجودة لديه و أنه آسف أشد الأسف على هذا التصرف و قال "ماباليد حيلة ، فأنا أنفذ أوامر جهات عليا و إذا أردت سأرسل لك سيارتي لتبقى تحت تصرفك"... فقال له لا..شكراً ، لست بحاجة لسيارة أحد.

و من هي هذه الجهات العليا..لا أحد يعلم!! و لكن الذي كان يعلمه الجميع هو أن هذه الأوامر لا يمكن أن تصدر عن شخص يتحلى بعقل سليم!!

الحقيقة هي أن العديد من الضباط و القادة كانوا يقعون بالحيرة عندما تأتي أوامر كهذه من الجهات العليا .. فالأوامر ليست فقط غير قانونية بل أيضاً غير منطقية و لا يمكن للعقل أن يتعامل معها..."كيف تريدني أن أصادر سيارة هي أصلاً لنائب رئيس الجمهورية!!"

و في تصعيد لايخلو من الصبيانية فوجئ العاملون بمنزل سيادة القائد باتصال لاسلكي من أحد السائقين يقول فيه أنه محاصر من قبل عدة دوريات و هم يريدون مصادرة السيارة (لقد كان السائق يقوم بإجراء صيانة لواحدة من سيارات سيادة القائد الخاصة بمركز صيانة مرسيدس).

ماهذا الجنون؟؟ هل وصلت الجرأة أن تتعرضوا لسيارات نائب الرئيس الخاصة؟؟!!

في الحال خرجت قوة من مقر نائب الرئيس و تعاملت مع الدوريات المتواجدة و أعادت السيارة إلى المقر. و نسجل هنا أيضاً الإرتباك و الحيرة التي كان عليها الضباط المرافقون لهذه الدوريات. فقد كانوا يعتذرون بشدة و قد قال كبيرهم "لقد طلبت من سائق الرافعة (التي يُفترض أن تقطر السيارة بعد مصادرتها) أن يتأخر و أعطيت الوقت الكافي للسائق كي يتصل بكم ، و انتظرناكم حتى تصلوا إلى هنا كي نقول أن القوة التي أتت من مكتب السيد نائب الرئيس هي أكبر من أن نستطيع التغلب عليها و ما ذلك إلا حباً بسيادة القائد و احتراماً له أدامه الله".

فلماذا حاصروا السيارة إذاً؟  الجواب أيضاً قاله كبيرهم و كان برتبة عقيد إذ قال أن الدوريات مؤلفة من عدة أجهزة و لا يمكننا الوثوق أن تقوم إحدى هذه الجهات بالوشاية علينا و لذلك كان لابد من محاصرة السيارة تطبيقاً لأوامر الجهات العليا.

الجهات العليا علمت بأن الضباط يحاولون التنصل من تنفيذ هذه الأوامر القرقوشية ، فبدأت بالبحث عن ضباط و عناصر بلا أخلاق من أجل تنفيذ هذه الأوامر ... و لكن هيهات..!! فبعد الآن لن تخرج سيارة خارج مقر سيادة القائد بدون قوة حراسة مدججة بالسلاح و العناصر الإنتحارية.

و سبب الحراسة أيها الأخوة هو أننا نعيش في دولة ، و الدولة تعني قانون ، و القانون يعني أن المؤسسات التي تؤلف هذه الدولة تتفاهم مع بعضها بالأوراق الرسمية و ليس بالعصابات المسلحة!!

فإذا أرادت جهات عليا بالدولة مصادرة سيارات نائب الرئيس عليها أولاً توجيه كتاب رسمي (رسالة رسمية) لمكتب نائب رئيس الجمهورية تطلب فيه ارسال السيارات إلى المكان الذي تحدده. و إذا لم يقم مكتب نائب رئيس الجمهورية بتنفيذ الأمر يمكن عندئذ لهذه الجهات العليا أن تلجأ إلى القانون الذي تم تفصيله للتعامل مع حالة كهذه.

أما غير ذلك فإن مكتب نائب رئيس الجمهورية يعتبر هذه الدوريات مجرد عصابات مسلحة خارجة عن القانون و يتم التعامل معها على هذا الأساس. فالبلد فيها قانون و ليست دمية بيد هذا الحدث أو ذاك ليحركها كيفما يشاء!!

و بعد هذا الإجراء لم تتجرأ أي دورية على إيقاف أي سيارة ترافقها الحراسة ، و السبب في ذلك هو أن هذه الجهات العليا أدركت أن الأمر لن يمر بدون قتلى و جرحى. و لأن هذه الجهات العليا هي دون الرئيس حافظ الأسد فإنها لا تستطع تحمل تبعات هذا التصعيد أمام الرئيس رحمه الله ، و هكذا أصدرت هذه الجهات العليا الأمر بعدم الإقتراب من أي سيارة ترافقها قوة مسلحة.

من المعروف أن الرئيس حافظ الأسد قد مر بفترة حزن شديد بعد وفاة المرحوم باسل و قد كان يعتكف كثيراً بالجلوس وحيداً بعيداً عن دوشة حكم البلاد ، و يبدوا أن البعض قد وجدها فرصة لممارسة التسلط على أجهزة الدولة ( لا نقول أولاد السيد الرئيس و لا نضع هذا على عاتقنا ) ربما يكون أحد المقربين أو المتنفذين في القصر الجمهوري.     

و بعد أسابيع قليلة فوجئ المواطنون بإعلان الدولة عن نيتها تغير لوحات (أرقام) جميع السيارات في القطر العربي السوري و ذلك بحجة أنه يوجد سيارات مخالفة و تسير بلوحات أمنية غير مرخصة و تعمل بالتهريب!! و أعطت الدولة مهلة عام لاستبدال لوحات جميع السيارات. و بالفعل بدأ المواطنون و مثلهم كافة دوائر و مؤسسات الدولة الحكومية و المدنية بإجراء عملية التبديل هذه و تم تزويد كل سيارات القطر بلوحات جديدة ماعدا طبعاً سيارات منزل نائب رئيس الجمهورية الدكتور رفعت الأسد. و عمل مدير مكتب السيد نائب الرئيس على مراسلة الجهات المختصة لإرسال لوحات سيارات جديدة لسيارات السيد نائب الرئيس و خاصة السيارات الخاصة التي يقودها سيادته بنفسه. تعددت الأجوبة و النتيجة واحدة .. لا لوحات... مرة يقولون سنرسل اللوحات خلال أسبوع.. و مرة يقولون أن اللوحات نفذت و بانتظار طباعة لوحات جديدة.. و مرة يقولون أن مدير الإدارة غير موجود ...الخ من هذه الحجج التي لا تنتهي.

فهل من المعقول أن الدولة استطاعت توفير لوحات لملايين السيارات و لجميع المواطنين و عجزت عن توفير لوحات لسيارات نائب الرئيس الذي حبى النظام على يديه و حمى البلاد و العباد بساعديه!!

أما المهربون الذين تم استبدال لوحات السيارات في الدولة من أجل أن تطفوا سياراتهم إلى السطح و يسهل العثور عليها فقد استبدلوا لوحاتهم بلوحات جديدة حتى قبل أن تبدأ الدولة بتوزيعها!! ... لا تسلنا كيف و لماذا .. هذا هو الذي حصل و هذا الأمر يعلمه كل السوريون. و المصيبة أن اللوحات الجديدة ذات شكل مؤذي للنظر و صعبة القراءة بينما اللوحات القديمة كانت أجمل و قرائتها أسهل

إذاً أيها الأخوة تم أرباك ملايين المواطنين و صرف الشعب ملايين الليرات كرسوم و خلافه من أجل تغيير لوحات سياراتهم و كل هذا من أجل أن تتكحل عينا أحد المزاجيين برؤية سيارات سيادة القائد تسير بلوحات مخالفة للقانون ، و لكي لا يتجرأ بعدها اي ضابط شرطة أن يقول أنه لا يستطيع اعتراض سيارة تحمل ختم مكتب نائب رئيس الجمهورية.

و إننا هنا نود توجيه الشكر لضباط المرور و إلى العديد من ضباط المخابرات العسكرية الذين تحلوا بالوطنية و الوعي إلى أقصى الحدود إذ كانوا يعملون على تجاهل هذه الأوامر اللامسؤولة و على رميها خلف ظهورهم قدر الإمكان.

و باختصار ... بقي الحال على ماهو عليه و استمرت المشاكل إلى أن أتت مشاكل أكبر منها لتطغى عليها.

قبل المباشرة ببناء شاليه أفاميا بسنوات طول ، و نتيجة للأعمال التخريبية و الأحداث التي تعرضت لها البلاد في الأعوام 1979-1982 قامت مديرية الموانئ بمدينة اللاذقية ببناء العديد من الأرصفة البحرية في العديد من الأماكن على شاطئ مدينتي اللاذقية و طرطوس ، ووضعت حينها على راس كل رصيف مفرزة أمنية لحماية الأماكن الهامة على الشواطئ من إمكانية التسلل إليها عبر مياه البحر و الحيلولة دون وقوع أعمال تخريبية فيها

و بنظرة سريعة على جزء من ساحل اللاذقية في الصورة أدناه يمكننا إحصاء 7 من هذه الأرصفة


ولأن شاطئ منطقة أفاميا يوجد عليه العديد من المنشآت الهامة ، كمنزل شقيق الرئيس المرحوم الأستاذ جميل الاسد و شاليه اللواء عدنان مخلوف و اللواء مصطفى طيارة و شاليهات ضباط الأمن ، فقد تم زرع مفرزة حراسة على الشاطئ و تم بناء رصيف بطول 120م  على الجهة المقابلة لهذه المفرزة  كما هو مبين في الرسم أدناه

عندما عاد القائد إلى سوريا عام 1992 و أمر ببناء شاليه أفاميا قام مهندسوا البناء بمخاطبة مديرية الموانئ بمدينة اللاذقية من أجل العمل على إزالة الرصيف المرصوف بجانب الشاليه لأنه كان يتسبب بمنع الأمواج و بالتالي حبس مياه البحر و تلوثها. و مع أن الضرر كان يلحق بجميع القاطنين على هذا الشاطئ إلا أن الضرر الأكبر كان يقع على شاليه أفاميا حيث يشكل الرصيف مع الشاطئ المتاخم للشاليه جيب ضيق من الصعب لأمواج البحر الوصل إليه مما يؤدي إلى تجمع النفايات و الأعشاب فيه

إلا أن إدارة الموانئ تجاهلت طلب المهندسين و لم تستجب لهم. فقام هؤلاء المهندسون بمراجعة مدير مكتب القائد رفعت الأسد و شرحوا له الأسباب الوجيهة و الموجبة لإزالة هذا الرصيف - أو جزء منه على الأقل - راجين منه الإهتمام بالأمر ، خاصة و أن الأمن مستتب بالبلد منذ سنوات طوال و لم يعد هناك حاجة لهذا الرصيف.

فعمل مدير مكتب القائد على توجيه كتاب رسمي لمجلس الوزراء راجياً منهم إصدار التوجيهات لإزالة هذا الرصيف ، حفاظاً على البيئة من جهة ، و دفعاً للضرر الذي يلحق بالقاطنين على الشاطئ من جهة أخرى.

و الحقيقة لا أحد يدري ماذا كان مصير هذا الكتاب. فمدير مكتب القائد لم يستلم أي رد من مجلس الوزراء ، و ما أن يُسأل رئيس الوزراء عن هذا الكتاب حتى يبدأ بالتعلثم و التأتأه و كأنه بالع خشبة تمنعه من الكلام!

استمر العمل في بناء الشاليه و تم رصد مبالغ طائلة لتنظيف الشاطئ بشكل دوري بالإضافة إلى تركيب مضخات مياه لتبديل مياه البحر الراكدة في الجيب ، كما تم تخصيص مبلغ مالي لتحسين مظهر الرصيف و زرع الأزهار و الورود عليه و هكذا تم التعايش مع هذه المشكلة.

- في أواسط عام 1996 و أثناء وجود القائد في دمشق قامت قوة من المخابرات العسكرية (فرع اللاذقية) برئاسة العميد سليمان العبد الله و معه قوات من الشرطة العسكرية و الشرطة المدنية و قوات حفظ النظام بالإضافة إلى موظفين من المحافظة و البلدية بتطويق شاليه أفاميا
و محاصرة العاملين فيها ..

"لماذا؟؟ مالذي حصل؟؟!!" سألهم مدير الشاليه

أجاب العميد سليمان: "يوجد لديكم غرف غير مرخصة و قد أتت توجيهات عليا لإزالتها"

فقال مدير الشاليه: "وهل وجود بناء غير مرخص يستوجب استنفار كل هذه القوات؟ و من ناحية أخرى إن موظفونا يراجعون مبنى المحافظة و البلدية يومياً من أجل تسيير معاملاتنا و لم نسمع أن أحداً قد اشتكى منها ، فلماذا لم يتم إخطارنا سابقاً و لماذا لم يأتي مندوب عن البلدية و يطلب منا إزالة هذه الغرف حسب الأصول المتعارف عليها في البلد؟"

العميد سليمان: " لقد أتينا إلى هنا لتنفيذ أوامر الجهات العليا و لا علاقة لنا بالأمر"

و على الفور قام مدير المنزل بالإتصال بدمشق و تم شرح الأمر لسيادة القائد. فأتت توجيهات سيادته بعدم إعتراض عمل هذه القوات و السماح لهم بتنفيذ المهمة التي أتوا من أجلها

عزيزنا القارئ ، البناء الغير مرخص الذي أتوا لإزالته هو عبارة عن غرف ومكاتب خدمية تم بناؤها قبل عام 1980 و كانت مخصصة لنادي الخيل الذي كان يشرف عليه الدكتور دريد الاسد و يمارس ركوب الخيل فيه مع ابن عمه المرحوم باسل الأسد. و لم يعترض النظام على هذه الغرف طيلة هذه السنوات إلا بعد أن بدأ استخدام بعضها في عملية توزيع مساعدات سيادة القائد

و بعد إزالة الغرف تم شراء غرف مسبقة الصنع بحجم الغرف السابقة و تم وضعها في نفس المكان (مقابل نادي الخيل). و تظهر هذه الغرف في الصور أدناه و قد تجمهر أمامها عدد من المواطنين القادمين من أجل استلام المساعدة المالية:

- ربما تسأل: "ألم تعترض الدولة على الغرف الجديدة؟"

الجواب: لا... لأنه ليس الدولة - ممثلة بالمحافظة و البلدية - هي التي اعترضت على الغرف القديمة ، بل النظام القائم هو الذي اعترض عليها.

- ستقول: "حسناً... ألم يعترض النظام على الغرف الجديدة؟"

أيضاً لا... لأن آخر ما يهم النظام هو هذه الغرف بدليل أنها مازالت موجودة في مكانها حتى هذه اللحظة و هي التي ضمن النطاق الأصفر:



جانب من مضمار الخيل

إذاً لماذا اعترض النظام على الغرف السابقة؟

الحديث هنا ذو شجون ..

أعتقد أن القراء المتابعين معنا منذ البداية يدركون الآن أننا نحن السوريون لا نعيش في دولة بمفهومها العصري الذي يعني دستور و قانون و نظام..الخ ، بل إننا أقرب إلى تجمع سكاني تتحكم فيه مزاجيات و غرائز البعض ، و على السكان التنبأ بما قد يثير غرائز أصحاب هذا المزاج ، و تجنبه ، حفاظاً على السلامة الشخصية و العائلية

و الحقيقة هي أن النظام السوري لم يكن يهمه أمر الغرف السابقة و لكن تدفق المواطنين اليومي على شاليه أفاميا قد أثار غرائز البعض غيرة و حسداً ، فاختلق النظام حجة هذه الغرف و دفع بقوات المخابرات و الشرطة بكل أنواعها و كله أملاً في أن يؤدي هذا إلى قيام مواجهة مسلحة مع عناصر حراسة منزل القائد.

ماذا تعني المواجهة المسلحة و أين هي مصلحة النظام منها؟

لقد بات مفهوماً أن القائد رفعت الأسد هو الذي بنى جيش سرايا الدفاع و أوصله إلى مراتب متفوقة على أقرانه في الشرق الأوسط ، و عندما تقلد سيادته منصب نائب رئيس الجمهورية عام 1985 تم الإتفاق على إبقاء الفوج 555 التابع لسرايا الدفاع تحت تصرف سيادته. و من هذا الفوج (الذي يُقدر ملاكه بـ 100 ضابط و 3000 جندي) تم توزيع الحراسات على المنشآت التابعة لسيادة القائد كمكتب المنارة و معسكرات القابون بالإضافة إلى منزل دمشق.

طبعاً غادر القائد سوريا عام 1985 و بقي هذا الفوج على حاله. و بقي الفوج هو المكان الوحيد (رسمياً) الذي يرفع صور القائد رفعت الأسد في المكاتب و قاعات التدريب و ساحات اجتماع الجنود.

في عام 1990 أي قبل عودة القائد بسنتين بدأ النظام بتسريح أعداد كبيرة من عناصر هذا الفوج و أخذ يضخ عناصر جديدة إليه بغية تبديل المزاج العام فيه. و تم إصدار الأمر بحظر تداول سيرة القائد في الفوج و منع تعليق صوره. و قد تم اقتياد العديد من أفراد هذا الفوج إلى السجن حيث تعرضوا للضرب و التعذيب نتيجة ذكرهم لأسم القائد رفعت الأسد.

في عام 1992 فوجئ النظام بعودة سيادة القائد على غير ميعاد ، الأمر الذي أربكه  و جعل القائمين عليه يعيدون حساباتهم. و على الفور أصدر النظام الأمر لقيادة الفوج باتباع تعليمات و توجيهات سيادته.

طبعاً لم يعيد النظام قيادة الفوج إلى القائد رفعت محبة بسيادته ، و إنما للسببين التاليين: أولهما هو أن هذا النظام كان يدرك أن شعبية القائد رفعت الأسد مازالت قوية و لا مصلحة له بأن يفتح باب المواجهة معه. أما السبب الثاني فهو البقية الباقية من الحياء و الخجل أمام رجل طالما ابتزوا كرم أخلاقه و اعتاشوا على مجد صنعه لهم بسواعده. فقد دمر هذا النظام سرايا الدفاع و طرد الضباط و الجنود من الجيش و أعتقل الأنصار و المؤيدين و المحبين و لم يبقى رسمياً للقائد سوى هذا الفوج. أي بالمختصر: لحسة ذوق غص بها لئآم القوم أمام كرامهم

كان لابد من العودة إلى التفصيل الموجز أعلاه كي ندرك المغزى من وراء محاولات النظام لدفع عناصر الحراسة إلى الإشتباك مع قوات المخابرات و الشرطة. فالإشتباك يعني أن قوات الحراسة تمردت على الدولة ، و هذه كفيلة بأن يتخذها النظام ذريعة لإعادة الفوج إلى قيادة الجيش و بالتالي تخليص القائد رفعت الأسد من بقايا نفوذه العسكري المباشر

لقد كان القائد يعلم نوايا هذا النظام ، و ما قرار سيادته بأن "دعوهم يفعلوا مايشاؤون" إلا حلقة من سلسلة قرارات قد اعتاد القائد على اتخاذها استيعاباً منه لهرطقات النظام و حفاظاً منه على سلامة جنود الوطن

الدكتور سومر رفعت الأسد

كان الدكتور سومر مولعاً بكرة القدم و عندما زار اللاذقية لأول مرة سأل الأصدقاء عن الأندية الموجودة فيها. فقالوا له يوجد عدة أندية منها تشرين و حطين إلا أنه لايمكننا الإقتراب من نادي تشرين لأن بعض أزلام النظام يسيطرون عليه. فقال لهم لابأس ، دعونا إذاً نلعب في نادي حطين. و بالفعل أخذ هذا الشاب يمارس هوايته في نادي حطين و أخذت لقاءاته مع فريق النادي تأخذ طابعاً ودياً. الدكتور سومر الذي يعيش في أوروبا وزار بعض النوادي فيها هاله افتقار النادي للتجهيزات الضرورية التي تتوفر عادة في نادي كرة قدم ، و عندما سأل عن بسبب غياب هذه التجهيزات قالوا له أن ذلك يعود لضعف أمكانيات النادي المادية. فعمل الدكتور سومر على تقديم الدعم المالي من خلال شراء بعض المستلزمات كالأحذية و القمصان الرياضية و كرات القدم للتدريب و بعض المستلزمات الأخرى. و عندما بدأ دوري كرة القدم باللاذقية أخذ الدكتور سومر يرافق الفريق و يحضر مبارياته على أمل الفوز و الحصول على كأس الدوري..

إلى هنا كل شيئ عادي

أثناء سير المباريات و أمام أنتصارات فريق نادي حطين المذهلة أخذ مشجعي الفريق يشعرون بالإمتنان للدكتور سومر للدعم الذي قدمه و الذي أسهم برفع مستوى مهارة اللاعبين و معنوياتهم. و تقليداً لعرف جميع مجتمعات الأرض في مثل هذه الحالات ، قام هؤولاء المشجعون بإطلاق بعض الهتافات للدكتور سومر مثل "يعيش سومر الأسد" "يعيش القائد رفعت الأسد" "سومر سومر سومر" "سومر شكراً شكراً شكراً" الخ من هذه الهتافات البريئة تعبيراً عن الشكر و الإمتنان

ولكن .. عين النظام كانت هناك .. و لأن عين النظام هذه تعتاش على فتاته و تعشق التزلف و النفاق فقد صورت بعض هذه الهتافات على الفيديو ، و زجت فيه مسرحية بسيطة ، إذ يظهر في الفيديو شاب يقف بالقرب من مكان الذين يهتفون للدكتور سومر و يبدأ بالصراخ فيهم بالروح بالدم نفديك ياحافظ ثلاث مرات و بعدها تنحرف الكاميرا لتلتقط أصوات الهاتفين للدكتور سومر و القائد رفعت الأسد. أي أن هؤلاء المشجعون لا يستجيبون للمنادي بحياة الرئيس ، و قام صاحب هذه الكاميرا بإرسال الفيديو إلى القصر الجمهوري بدمش

أنت عزيزي القارئ تدرك معنى هذا الكلام  و تعلم أن أمراً كهذا ، في دولة مثل سوريا ، لهو المصيبة بعينها!

و بعدما كان كل شيئ عادي أصبح كل شيئ غير عادي.

و لكن إلى هنا لم يكن أحد يعلم بهذا الأمر. و للحق نقول أنه لم يكن بإمكان المشجعين سماع صوت هذا المنادي لأنهم كانوا فرحين بالفوز و يهتفون بالمئات و بأعلى أصواتهم للدكتور سومر فكيف يصل إليهم صوت هذا المنادي بحياة الرئيس؟!

المباراة التي تم تصوير الفيديو فيها كانت المباراة قبل الأخيرة و فيها تأهَّل نادي حطين للمباراة النهاية حيث يلتقي فيها مع نادي تشرين.

قبل بدء المباراة لاحظ الناس ترتيبات أمنية فوق العادة ، فالمخابرات العسكرية و مخابرات أمن الدولة و الشرطة العسكرية و الشرطة المدنية كانت تحيط بالملعب ، و لكن لم يكن في ذهن أحد أنه يُمكن أن يكون لهذه الترتيبات غاية معينة أكثر من كونها إجراءات حراسة

دخل المتفرجون إلى الملعب و أندس بينهم طبعاً المئات من عناصر المخابرات و الشرطة بلباسهم المدني

بدأت المباراة و بدأ المشجعين يهتف كل منهم لفريقه و عندما سجل فريق حطين هدفه الأول ثار المشجعون و بدؤوا يطلقون هتافات بإسم الدكتور سومر الأسد. و عندما تحولوا للهتاف بإسم القائد رفعت الاسد أنضم إليهم مشجعوا فريق نادي تشرين و أخذوا يهتفون معهم

و ماهي إلا دقائق حتى اضطرب المشهد و بدأت أفواج من قوات الأمن و الشرطة العسكرية و شرطة حفظ النظام بالدخول إلى الملعب و أخذوا يضربون جماهير المشجعين بالهراوات و العصي على رؤوسهم بدون رحمة حتى غطت الدماء مدرجات و أرض الملعب

كما قامت هذه القوات باعتقال المئات من المشجعين لأسابيع حيث كانوا يتعرضون للضرب المبرح يومياً و كان من بين المعتقلين العديد من أصدقاء الدكتور سومر و قد تمت معاملتهم معاملة خاصة بأن نالوا العقاب مضاعفاً. و من شدة شوق النظام لأصدقاء الدكتور سومر و المقربين منه طلب النظام إرسالهم إلى دمشق بطائرات الهليكوبتر ، و عندما وصلوا قام عناصر المخابرات بصلبهم عراة و التبول في أفواههم ناهيك عن التعذيب النفسي و الجسدي

أما الدكتور سومر فقد قامت قوة الحراسة التي ترافقه بتأمين مغادرته للمعلب و توجه مباشرة إلى لبنان حيث بقي مذهولاً لأيام من هول مارآه.

أهكذا هي سوريا؟ هل هكذا تعامل الدولة مواطنيها؟

الدكتور سومر الذي عاش الحرية و الديمقراطية في أوروبا و أدرك أهميتهما في تقدم الشعوب و الحفاظ على حقوق الإنسان أقسم أنه سيعمل مباشرة على بناء قناة تلفزيونية لفضح استبداد النظام السوري و توعية شعب سوريا على حقوقه المسلوبة فكانت الـ ANN.

في تلك المرحلة أيضاً أخذ مذنب بشار الأسد يلوح بالأفق للسوريين ، حيث فوجئ المجتمع السياسي و العسكري و المدني بإعلان بشار الأسد عن اكتشافه لأخطر حالة إختلاس في البلد متمثلة برئيس الوزراء السابق المرحوم محمود الزعبي. و السبب الذي فاجئ السوريون لم يكن اختلاسات الزعبي. لأن الزعبي كان واحداً من المسؤولين المخلصين للنظام لأكثر من 15 عاماً - و من باب أن النظام الفاسد لا يفرز غير الفاسدين - فقد كان هذا كفيلاً بأن يعتبره الشعب مختلساً سلفاً ، حتى لو كان بريئ

و لكن الذي فاجئ السوريون هو هذه العبقرية التي هبطت فجأة على طبيب عيون يُفترض أنه لا علاقة له لا بالوزراء و لا برئاسة مجلس الوزراء و لا حتى بأي من هيئات الدولة الأخرى

ففي الوقت الذي كان يُفترض لهذا الطبيب أن يُعلن للشعب عن أكتشافٍ طبي جديد أخذ يُعلن عن أكتشاف حالة اختلاس. و في الوقت الذي كان من المفروض أن يكون جهده منصباً على معالجة المرضى تراه يقوم بأعمال ٍ هي من اختصاص هيئات و مؤسسات الدولة!

أين هي إدارة الرقابة و التفتيش ، أين هم عملاء و عناصر المخابرات المندسين في كل دوائر و مؤسسات الدولة ، أين هو الفرع 211 الذي لا يعمل شيئ سوى التنصت على مكالمات المسؤولين و المواطنين ، أين هم هؤلاء من اختلاسات الزعبي الذي افتعلها طيلة 15 عاماً؟

أما الشعب السوري فقد اكتشف أن طبيب العيون بحاجة إلى طبيب عيون جيد ، لأنه ليس من المعقول أن يرى اختلاسات الزعبي التي كانت تتم من تحت الطاولة و لا يرى اختلاسات رامي مخلوف التي كانت و مازالت تتم علناً إلا إذا كان يعاني من مشكلة حقيقية بالنظر!

و لكن الحق يقال ، إذ بالرغم من مشكلة النظر فإن بشار أذهل الجميع بحرفة الوثب فوق الرتب العسكرية حيث وثب من النقيب إلى العقيد و من العقيد إلى الفريق بستة سنوات متحدياً خطر الوقوع في الهوة الساحقة التي تفصل بين هذه الرتب و متفوقاً على الباتمان و السوبرمان و على رفاقه بالجيش الذين يحتاجون ثلاثين عاماً من العمل الدؤوب قبل أن يحلموا برتبة لواء!

كان القائد يتابع هذه التطورات عن كثب و قد كانت تؤلمه حالات الإنفلات الأخلاقي و التهافت على الحكم التي وصل إليها النظام السوري

و بقرار سيادته "أن دعوهم يفعلوا ما يشاؤون" تم تفويت فرصة عملية الغرف على النظام ، و بات رموزه ليلتهم حائرين ، غارقين بحقدهم ، و الحسد يأكلهم ...!

بعد انتهاء الحرب التي حرر فيها النظام ملعب كرة القدم من المواطنين المحتلين منح النظام عناصره فترة استراحة للتمتع بمكافآته لهم ، و هي عبارة عن صرف 1500 ليرة سورية للضباط و توزيع عدد من علب سجائر الحمراء الوطنية على صف الضباط. أما الذي سجل الفيديو فقد تم منحه سيارة جديدة لقاء خدمته للوطن ، و حرصه على توحيد الهتافات!

كان العمل في بناء الشاليه مازال مستمراً ، و نظراً لطبيعة الأرض الصخرية فقد تطلب العمل وجود بلدوزر كي يتعامل مع بعض الصخور. و بالصدفة كان يوجد بلدوزر في الشاليه المجاورة لشاليه أفاميا عند المرحوم الأستاذ جميل الأسد و ما أن تم إبلاغه رحمه الله عن رغبة مهندسين شاليه أفاميا باستعارة البلدوزر حتى سارع بالموافقة ، في بادرة تعكس أصالته ، مرحباً بتقديم أي عون يتطلبه العمل في منزل شقيقه و أمر بإرسال البلدوزر إلى شاليه أفاميا للقيام بالعمل المطلوب هناك.

و بعد انتهاء ساعات عمل البلدوزر في اليوم الأول قام مدير الشاليه بمكافئة سائقه و أرسل سيارة من مشروع أفاميا كي توصله إلى منزله على أمل أن يأتي في صباح اليوم التالي لإكمال العمل على البلدوزر

و في صباح اليوم التالي لم يأتي سائق البلدوزر بل اتت سيارات الشرطة وباصات مملوئة بقوات شرطة حفظ النظام و قاموا بتطويق الشاليه.
و أقتربت سيارة مرسيدس من باب الشاليه الرئيسي و ترجل منها ضابط برتبة عقيد و أقترب من باب الشاليه رفقة عناصر مسلحين و حاول الدخول إليها

فاوقفهم حرس الباب و سألوا هذا العقيد عن سبب هذا التصرف الغير لائق من ضابط يمثل الأمن والنظام...!

فقال حرفياً: "لقد اتتنا معلومات ان البلدوزر المفقود وسائقه المختطف موجودان داخل الشاليه و أنا لدي اوامر باعتقال مدير المشروع و جلبه حياً أو ميتاً". وهذا الكلام سمعه العشرات ممن كانوا يعملون في المكان

فاجابه رئيس الحرس عن اي بلدوزر و اي مختطف تتحدث...؟ نعم نحن لدينا بلدوزر استعرناه من عند الأستاذ جميل و قد دخل الى الشاليه برفقة سائقه ، و عمل السائق لمدة يوم و ذهب الى منزله بعد ان اكرمناه فكيف يكون مختطف وهو في منزله؟!

و أضاف رئيس الحرس: "هل تعلم يا سيادة العقيد لمن هذا المنزل؟

فقال العقيد: "هكذا تلقينا الاوامر و يجب ان انفذها بحذافيرها و قد أتيت لاعتقال مدير المشروع و اصطحابه إلى مبنى قيادة الشرطة للاستجواب.

و بالصدفة ، كان سيادة القائد وقتها يقوم بزيارة الشالية. و عندما علم سيادته بالأمر طلب من رئيس الحرس ان يصطحب ضابط الشرطة إلى داخل المبنى و أخذ العقيد المسكين يرتعد من الخوف ، و ما أن رأى القائد حتى اسرع لتأدية التحية العسكرية لسيادته

و شرح العقيد مهمته و قال للقائد: "سيدي انا عبد مأمور انفذ اوامر جهات عليا و لم أكن أعلم أن سيادتكم هنا ، فأرجوا المعذرة عما بدر مني"

فربت سيادة القائد على كتف هذا العقيد و قال له: "لاتخف ، أنت لا ذنب لك بهذا".  و أمره بنقل رسالة شفوية إلى هذه الجهات العليا حيث قال سيادته: "قل لهم أن نائب الرئيس يستغرب هذه التصرفات الصبيانية و الغير مسؤولة"

هنا أخذ العقيد قواته التي أتت معه و عادوا جميعاً من حيث أتوا و أنتهت القصة.

إقالة سيادة القائد من مناصبه

كان الرئيس حافظ الأسد رحمه الله كلما كبر بالسن كلما فعًّل آلية إزاحة الأشخاص الذين ربما يشكلون مانعاً يحول دون توريث السلطة لأبنه من بعده. و بعد الصدمة الأليمة بوفاة المرحوم باسل عمل الرئيس على إزاحة العديد من القيادات الهامة و حتى المقربين منه و نذكر منهم نائب الرئيس الأستاذ عبد الحليم خدام و العماد حكمت الشهابي و الألوية محمد الخولي و علي حيدر و شفيق فياض و علي دوبا و غيرهم!!.


العماد حكمت الشهابي

أي باختصار أقوى رجالات الحكم. فعمل الرئيس على إنهاء دور الأستاذ عبد الحليم خدام في لبنان و تحجيم دوره في الداخل وقام بطرد قائد الأركان العماد حكمت الشهابي من الجيش بحجج لاتمت للمنطق بصلة

كما قام بطرد اللواء محمد الخولي مدير إدارة المخابرات الجوية لأنه لم يقم باستقبال بشار الأسد على مدخل إدارة المخابرات الجوية بل أرسل عوضاً عنه مدير مكتبه

أما اللواء علي حيدر قائد القوات الخاصة فقد وضعه الرئيس قيد الإقامة الجبرية مدة 45 يوماً قبل أن يطرده من الجيش لأنه قال بعد وفاة المرحوم باسل جملته الشهيرة

"لقد كان أبو دريد على حق، فالمسألة مسألة توريث و لا شيئ آخر"

و لكي يكون القارئ على اطلاع سنذكر هنا الطريقة التي تم سجن و طرد اللواء علي حيدر فيها

أتصل رئيس شعبة المخابرات العسكرية اللواء علي دوبا باللواء علي حيدر و قال له

- شو رأيك أخي أبو ياسر أن نتناول الغذاء اليوم سوية بمقهى الزوزو؟

فأجاب اللواء علي حيدر بالقبول.

و بعد أن تعانق الصديقان و جلسا على مائدة الغذاء قال اللواء علي دوبا

"أخي أبو ياسر لا تؤاخذني .. أنا موجود هنا بمهة إلقاء القبض عليك"

تلفَّت اللواء علي حيدر برأسه يمنة و شمالاً و إذا بالمكان محاصر بأكثر من مئتي مسلح من عناصر المخابرات العسكرية. فقال لعلي دوبا: لماذا يفعل الرئيس هذا؟ هو يعلم أنه لو اتصل بي و أمرني بالذهاب إلى السجن فسأنفذ الأمر فوراً .. فما هي حاجته كي يقوم بهذا؟؟!!


اللواء علي حيدر

سبحان الله.. نفس الطريقة و نفس الخطة التي قام الرئيس حافظ الأسد باستعمالها من أجل الإيقاع بالعميد رفعت الأسد و فشلت (لمعرفة العميد رفعت بالنوايا) قبل هذه الحادثة بعشرة سنوات.
و يبدوا أنه للعزائم الأخوية على الغذاء فوائداً أخرى غير تلك التي تمتلئ فيها البطون!

و لم يكن اللواء علي دوبا يعلم أنه سيلاقي نفس مصير اللواء علي حيدر ، و بدلاً من هؤلاء القيادات عمل الرئيس على تعيين من هم أقل منهم جدارة و كفاءة ، و لكن هذا لا يهم ... المهم هو أن يكونوا قادرين على رؤية ما لا يمكن رؤيته ألا و هو القدرة القيادية لدى أبنه بشار!!

و بدأت القيادات تتعجب ... مابال الرئيس يفعل هذا بنا؟ أهذا هو ثمن إخلاصنا له لعقود؟ هل من المنطق أن يفرض علينا حدثاً جاهلاً بأبسط قواعد العلوم العسكرية و فوق كل هذا طبيب عيون؟!

و أدركت هذه القيادات أن الرئيس حافظ الأسد مستعداً أن يطرد ثلاثة أرباع الجيش من الخدمة من أجل عيني أبنه بشار .. ولكن هذه القيادات لم تتوقع أن يصل الأمر بالرئيس لارتكاب خطأ دستوري كبير ينسف حزب البعث العربي الإشتراكي من اساسه. إذ فوجئت قيادات الجيش و اعضاء القيادتين القطرية و القومية للحزب بتسلمهم كتاب طرد رئيس المحكمة القومية العليا و عضو القيادة القطرية للحزب الدكتور رفعت الأسد من الحزب و إعفاءه من منصب نائب رئيس الجمهورية

ليس هذا فقط بل تم تذييل الكتاب باتهام العميد الدكتور رفعت الأسد بالعمالة و التواطئ مع جهات أجنبية ضد مصلحة الوطن!

ماهي المحكمة القومية العليا:

باختصار المحكمة القومية العليا هي أعلى هيئة في حزب البعث العربي الإشتراكي. هذه الهيئة لها نظامها الداخلي الخاص بها و هي تشرف على النظام الداخلي للحزب. يتم أنتخاب رئيس و اعضاء هذه المحكمة من خلال المؤتمر القومي الأعلى للحزب و لا تخضع هيئة المحكمة لأي سلطة حزبية بل الجميع يخضعون لها بما فيهم الأمين العام للحزب الرئيس حافظ الأسد، و هي المسؤولة عن تقييم سلوك بقية أعضاء الحزب و لها الصلاحيات المطلقة بطرد أي عضو في حال أخلًّ بالنظام الداخلي للحزب

و الذي حصل هو أن الرئيس حافظ الأسد أصدر كتاباً يطرد فيه الدكتور رفعت الأسد من الحزب و من منصب نائب رئيس الجمهورية ، و أمر بتوزيع هذا الكتاب على القيادات الحزبية و العسكرية الأمر الذي أصاب هذا القيادات بدوار في رؤوسهم!

"كيف تطرد عضواً من الحزب و هو رئيس المحكمة القومية العليا بالإنتخاب دون أن أن ينعقد المؤتمر القطري أو القومي للحزب؟؟
كيف تُقيل أعلى سلطة حزبية في البلد؟ إنك هكذا تعطي الصلاحيات لمن هو أدنى منك أن يُقيلك أنت من الأمانة العامة للحزب!!

و الأهم من هذا: "كيف تتهم الرفيق الدكتور رفعت الأسد بالعمالة للخارج و هو صاحب اليد الطولى ، بلا منازع ، بحرب تشرين 1973 و حرب لبنان 1982؟ فإذا كان الذي بنى لسوريا أقوى جيش في الشرق الأوسط عميلاً فإننا كلنا عملاء...!

و تعالت الأصوات المطالبة بتوضيح هذا الأمر ، مما دفع الرئيس إلى سحب كتاب الإتهام و الإبقاء على كتاب إقالة رئيس المحكمة ، دون

إنعقاد المؤتمر القومي لإضفاء المشروعية على هذا القرار!!

و السؤال ... لماذا لم ينعقد المؤتمر القطري أو القومي؟ أو بالأحرى لماذا توقفت المؤتمرات القطرية عن الإنعقاد منذ عام 1985 و لم تستأنف إلا بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد من أجل تزوير دستور البلاد؟

إن من أساسيات حزب البعث العربي الإشتراكي هو أن يتم انعقاد المؤتمر القطري بشكل دوري كل ثلاث إلى خمسة سنوات ، و بشكل استثنائي كلما دعت الضرورة لذلك. و قد أنعقد مؤتمر الحزب منذ تسلمه مقاليد السلطة عام 1963 عشرة مؤتمرات قطرية وستة مؤتمرات استثنائية في التواريخ أدناه ، و بنظرة سريعة سنرى أن المؤتمرات قد توقفت بعد عام 1985 في عهد الرئيس حافظ الأسد

المؤتمر القطري الأول 9/1963
المؤتمر القطري الأول الاستثنائي  2/1964
المؤتمر القطري الثاني   3/1965
المؤتمر القطري الثاني الاستثنائي 8/1965
المؤتمر القطري الثالث الاستثنائي 3/1966
المؤتمر القطري الثالث   9/1966
المؤتمر القطري الرابع الاستثنائي 9/1967
المؤتمر القطري الرابع   9/1968
المؤتمر القطري الخامس الاستثنائي 3/1969
المؤتمر القطري الخامس   5/1971
المؤتمر القطري السادس الاستثنائي 6/1974
المؤتمر القطري السادس 4/1975
المؤتمر القطري السابع   12/1979
المؤتمر القطري الثامن  1985/1
المؤتمر القطري التاسع   6/2000
المؤتمر القطري العاشر  6/200

طبعاً سبب توقف المؤتمرات معروف.. ففي آخر مؤتمر للحزب عام 1985 اكتشف الرئيس أن 90 بالمائة من أعضاء الحزب هم مؤيدين للدكتور رفعت الأسد. لقد كان الرئيس يعلم أن الدكتور رفعت يحظى بتأييد الكثيرين في صفوف الحزب و لكنه فوجئ عام 1985 أن هذا التأييد هو أكبر مما توقعه بكثير. فعمل الرئيس على وضع الحزب داخل صندوق و أقفل عليه إلى أن توفي رحمه الله و هكذا أنتهى حزب البعث عملياً و أنتهت شرعية القائمين عليه. و ربما نعمل لاحقاً على إلقاء الضوء على ماحدث في أروقة هذا المؤتمر سيما و أن السياسة السورية عودتنا أن مايحصل في هذه المؤتمرات شيئ و ما يخرج إلى العلن هو شيئ مغاير تماماً

و هكذا باتت الطريق معبدة للسيد بشار

و بعد أن كانت الكفاءة و النضال و الكفاح هي الطريق لرئاسة سوريا أصبحت الرئاسة كما نراها اليوم!

غادر سيادة القائد سوريا و بعد أيام تلقى ولي العهد السعودي جلالة الملك عبدالله آنذاك دعوة لزيارة سوريا ، فاتصل جلالته بسيادة القائد و قال له أنه لن يذهب إلى سوريا إلا إذا كان سيادته فيها. فلبى القائد نداء جلالة الملك حرصاً من سيادته على العلاقات السورية العربية و خاصة السعودية

في صيف 1998 دخلت الى حرم الشالية عدة زوارق وبرفقتها عدد من الموتوسيكلات البحرية (جيتسكي) وعليها عدد من الشبان و الفتيات  بلباس البحر وكان من بينهم الدكتور بشار الاسد الذي تكلم مع الحرس الموجود و طلب منه التكلم مع المسؤول عن الشالية. فحضر مدير الشاليه وحياه باحترام باعتباره ابن شقيق سيادة القائد وابن الرئيس رحمه الله و دار بينهما الحوار التالي

الدكتور بشار: "هل الأستاذ ريبال موجود؟"

مدير المنزل: "لا ، لقد سافر بالأمس"

الدكتور بشار: "قل للأستاذ ريبال أني سأرسل بعض المهندسين من إدارة الموانئ لازالة عدة امتار من الرصيف البحري المتاخم للشاليه لانه يسبب ركود المياه و يسبب روائح في المسبح والشاليهات المجاورة؟

و على الفور قام مدير الشاليه بابلاغ الرسالة إلى الأستاذ ريبال و بعد ساعات اتصل سيادة القائد بمدير المنزل و قال له إذا أتى ابن أخي مرة ثانية فاعمل على استضافته و قل له إن منزل القائد هو منزلكم و يمكنك الدخول و التصرف بالمنزل بكل حرية و أهلاً بك بأي وقت ، أما بخصوص الرصيف البحري فقل له أنه لا مانع لدينا لإزالته ، بل نحن أول من طالب بهذا

و أيضاً على الفور استقل مدير الشاليه سيارته و توجه إلى إدارة الموانئ. و قام بنقل رسالة سيادة القائد إلى مدير الموانئ السيد علي رزوق آنذاك راجياً منه إيصالها إلى الدكتور بشار الأسد. هذا هو الذي حصل و لم نستطع التأكد إذا كانت هذه الرسالة قد وصلت أم لا

بعد أيام طوقت عدة سيارات مملوءة بعناصر مدججة بالسلاح من المخابرات العسكرية و برفقتهم بلدوزر و شاحنات و طلب العميد سليمان العبد الله من الحرس أن يفتحوا الباب للبلدوزر كي يقوم بإزالة الرصيف البحري. فسمح لهم الحرس بالدخول و علامات الإستفام تعلو وجوه الجميع عن أسباب مرافقة كل هذه القوات المسلحة لبلدوزر!!

نذكر هنا أن أنه كان لدى عناصر حراسة الشاليه توجيهات مشددة بعدم الانجرار وراء الاعمال الاستفزازية و أن يحرصوا على التقيد بهذه بالتعليمات حتى لو كانت تتعارض مع البسالة و الشجاعة التي يشتهر بها جنود سيادة القائد

و مع ذلك و رغم ثقل دم هؤلاء الضيوف فقد حرص مدير الشاليه على القيام بواجب الضيافة لهم طوال ساعات عمل البلدوزر. و لان ثقيل الدم لابد أن يترك وراءه أثراً فقد غادروا الشاليه مع البلدوزر مخلفين ورائهم أكواماً من الحجارة و الوحول ناهيك عن قيام البلدوزر باقتلاع الزهور التي كانت على الرصيف حتى أضحى قطعة من صحراء خاوية


مفرزة الحراسة الأمنية التابعة للمخابرات العسكرية.

لرصيف بعد تنظيفه من مخلفات الهدم الهمجي

و في آواخر صيف 1998 أتت أجهزة المخابرات و الشرطة لتحاصر مبنى أفاميا و معهم عشرات الخبراء من الفرع 211 الخاص بالأمن العسكري. تقدم العقيد سليمان العبدالله و أراد اقتحام الشاليه مع قواته و عندما سأله رئيس الحرس عن السبب قال

أتتنا معلومات من جهات عليا أنه يوجد لديكم أجهزة ستلايت و إرسال متطورة على البرج و قد أتينا للتحقق منها

هذا هو البرج الذي زعموا أنه يحمل أجهزة ستلايت و إرسال متطورة قبل نزعها منه!!

"الستلايت عند جميع أمم الأرض يأخذ شكل  دائرة أو مربع  أو شكل شبكة عنكبوتية... الخ

إلا عند النظام السوري (المتطور)  فإنه يأخذ شكل الإبرة"

بعد أخذ الموافقة من دمشق قال لهم مدير الشاليه أنه يوجد على البرج مانع صواعق بالإضافة إلى هوائيات أجهزة الهاتف اللاسلكي و هي من نوع سيناو (1) (SENAO) و سمح لهم بمعاينة البرج.

(1) لم يكن الموبايل قد دخل سوريا حينها ، و كان أفضل اختراع للحصول على جهاز تليفون لاسلكي في ذلك الوقت هو شراء جهاز تليفون أرضي مزود بجهاز لاسلكي قصير المدى يُمكن استخدامه على بعد 100 إلى 1000م من الجهاز الأرضي. أما الأجهزة الأغلى ثمناً فيمكنها تغطية مسافة 10كم أو أكثر بقليل بفضل مقوي الإشارة المزود به الهاتف

دخل هؤلاء الخبراء لمعاينة البرج. و بعد ساعات من العمل المتواصل ، و عشرات الإتصالات من و إلى دمشق ، قرروا أنه يوجد على البرج عدة هوائيات ، واحد منها مانع صواعق و الهوائيات الأخرى غير معروفة و أنهم يريدون أخذها إلى المخبر من أجل التحقق منها!! و هكذا ذهبت الهوائيات و لم تعد

طبعاً الكثير من المواطنين كانوا يستخدمون الهاتف اللاسكي القصير المدى ، و الكثير من المسؤولين و المقتدرين مادياً كانوا يستخدمون البعيد المدى. و بالرغم من أقتناع الخبراء بأن هذه الهوائيات مخصصة للإستخدام المنزلي فقد قضت أوامر الجهات العليا بمصادرتها بغية قطع الإتصال اللاسلكي عن الشاليه. و كي لاتبقى الشاليه بدون إتصال فقد تم شراء جهاز الثريا و هو جهاز يؤمن الإتصال اللاسلكي و لا يمكن قطعه

و على ذكر الهوائيات و الإتصالات نذكر أنه عندما زار جلالة الملك عبد الله سوريا عام 1997 (و كان ولياً للعهد) قام المغفور له الرئيس حافظ الأسد ، و المعروف بنومه باكراً ، بالسهر مع جلالته حتى الساعة الثانية و النصف ليلاً كي يمنعه من زيارة منزل سيادة القائد و لكن ما أن ودع جلالة الملك الرئيس حتى استقل السيارة مباشرة و توجه مع الوفد المرافق لجلالته إلى منزل سيادة القائد و بقي في بيت أخيه حتى الفجر.

الطريف بالحكاية هي أنه عندما قامت محطة الـ ANN بإذاعة خبر زيارة "ولي العهد السعودي إلى منزل الدكتور رفعت الأسد" في اليوم التالي للزيارة و بثت تسجيلاً مصوراً لهذا اللقاء جن جنون النظام السوري و أخذ يدعي أنه يوجد في منزل سيادة القائد أجهزة ستلايت متطورة هي التي قامت بإرسال الفيديو المصور إلى لندن حيث توجد محطة الـ ANN

و لو أنهم سألونا حينها لأشفقنا على جهلهم و قلنا لهم أنه بعد انتهاء التصوير سافر أحد فرسان القائد إلى لندن و بحوزته الشريط المسجل

إصرار النظام على التصعيد

قطع التيار الكهربائي

بعد مصادرة هوائيات أجهزة الهاتف بعدة أسابيع قام جهاز المخابرات العسكرية بالإيعاز لمؤسسة كهرباء اللاذقية بقطع التيار الكهربائي عن الشاليه ، ليس هذا فقط ، بل عمدت المؤسسة بتوجيهات من المخابرات إلى قطع التيار الكهربائي عن إعمدة إنارة الشارع المؤدي للشاليه و أعمدة إنارة الشارع المؤدي للمدينة الرياضية و أضحت المنطقة ليلاً كمدينة أشباح.

أعتقدت إدارة الشالية أن الأمر لا يعدو عن كونه عطلاً طارئاً ، إذ أن انقطاع التيار الكهربائي في اللاذقية عدة مرات أسبوعياً هو أمر قد اعتاد عليه المواطنون منذ سنوات طوال ، و خاصة في الأوقات الحرجة كحفلات الزفاف و الأعياد و قبل نهاية المسلسل التلفزيوني اليومي بخمس دقائق.

و عندما قامت إدارة الشاليه بسؤال مؤسسة الكهرباء عن أسباب العطل كان الجواب أنه يوجد فواتير كهرباء قديمة للمؤسسة لم يتم تحصيلها.  و لدى سؤال مدير مؤسسة الهاتف عن سبب عدم قيامه بتوجيه رسالة إنذار قبل قطع التيار الكهربائي ارتبط لسانه و لم يعرف بما يجيب.
فعمدت الإدارة على إبراز كافة الوثائق التي تؤكد أنه قد تم دفع كافة مستحقات مؤسسة الكهرباء القديمة منها و الجديدة. و عندئذ اعتذر موظفوا المؤسسة عن هذا الخطأ و تعهدوا بإعادة التيار الكهربائي خلال ساعات.

ساعات و ساعات من الإنتظار و التيار الكهربائي مازال مقطوعاً. و في هذه الأثناء قام مدير شاليه أفاميا يالإتصال عشرات المرات مع مؤسسة الكهرباء و لكن.. لا أحد يجيب الهاتف !  في صباح اليوم الثاني ذهب مدير الشاليه لمقابلة مدير مؤسسة الكهرباء و في المؤسسة قالوا له أن المدير غير موجود و لكنه ترك لكم رسالة شفهية و هي:"عند محاولة ايصال الكهرباء إلى الشاليه حدث عطل كبير في المولدة التي تغذي الشاليه و هي بحاجة إلى استبدال إحدى القطع كي تعمل من جديد و هذه القطعة غير متوفر في اللاذقية و عليكم الانتظار لحين تأمينها من دمشق او حلب". فقال لهم مدير الشاليه حسناً أعطوني أسم القطعة المعطوبة و سنعمل على شرائها على حسابنا الخاص
(1)

(1) كان مدير الشاليه يعلم أنه لو أرسل شخصاً لشراء هذه القطعة من دمشق فإن القطعة ستصل إلى اللاذقية قبل أن تقوم المؤسسة بتحرير كتاب الشراء حتى لو ذهب هذا الشخص و عاد سيراً على الأقدام.

و عندما لم تقوم المؤسسة بتحديد إسم القطعة المطلوبة لإصلاح العطل تأكدت إدارة أفاميا من أن قطع الكهرباء هو حلقة من سلسلة المضايقات التي يقوم بها النظام السوري لمحاصرة هذه الشاليه و العاملين فيها. و تابع العاملون في الشاليه أعمالهم على مولدة الكهرباء الإحتياطية الموجودة بالشاليه و هكذا تم التعايش مع مشكلة الكهرباء!!

قطع المياه

كان يقيم بشاليه أفاميا عدة عائلات و كان بينهم أمهات حوامل و أطفالاً رضًّع بالإضافة إلى العاملات و العمال و عناصر الحراسة. و هؤلاء هم بشر ، لا بد لهم من شرب المياه كي يستمروا بالحياة. إلا أنه لمن لم يذق طعم العطش في حياته رأي آخر...!

فبعد قطع الكهرباء بأسابيع و في ساعة مبكرة من الصباح قامت دورية من عناصر المخابرات العسكرية و برفقتهم عدد من عمال مؤسسة المياه بحفر الطريق المؤدي إلى الشاليه  والبحث عن الانبوب الرئيسي الذي يعمل على تغذية شاليه أفاميا بمياه الشرب ، و قام عناصر المخابرات بإجبار عمال مؤسسة المياه على قص الانبوب عرضياً ووضع سدادة معدنية عليه. و بعد الانتهاء من هذا العمل "البطولي" تم ردم الحفرة و تمويهها كي لا يتم التعرف على مكانها لاحقاً.

أعتقد العاملون في الشاليه أن قطع المياه هو عطل طارئ ، فقاموا بشراء عدداً من زجاجات المياه المعدنية و تابعوا أعمالهم طوال اليوم بشكل طبيعي ، و ناموا ليلتهم على أمل أن تعود المياه مع صباح اليوم التالي.

طبعاً أتى الصباح و لم تأتي المياه ، و عندما علم العاملون أن المياه لم تنقطع عن الشاليهات المجاورة أدرك الجميع أن المياه لن تأتي

منذ سبعينات القرن الماضي كان سيادة القائد رفعت الأسد قد أمر بتخصيص عدة شاحنات (صهاريج مياه) لنقل المياه إلى القرى الساحليه التي لا تصلها مياه الشرب.

و بالرغم من مرور 30 عاماً آنذاك على ما سُمي بالحركة التصحيحية إلا أنه كانت ماتزال بعض القرى من دون مياه ، و كانت هذه الشاحنات مازالت تعمل على نقل المياه إليها

بعد إنقطاع المياه عن شاليه أفاميا كان لابد من الأستعانة بواحدة من هذه الشاحنات كي تقوم بنقل المياه إليها ، و لكن هذا لايشكل حلاً للمشكلة ، فليس من المعقول أن يشرب العاملون في شاليه أفاميا المياه و تبقى عدة قرى محرومة منها. و كان هذا الأمر سيشكل مشكلة حقيقة لولا أن دفع الله أحد عباده الصالحين ، و هو عامل في مؤسسة المياه ، لأن يتحدى المخاطر و يعرض نفسه و عائلته للتشرد و يأتي إلى شاليه أفاميا ليقول:
" أنا و رفاقي في مؤسسة المياه لم نستطع النوم منذ يومين .. و كيف ننام و نحن نرى ما لا يرضي الله سبحانه و تعالى ، فوالله لا يرضى المرء بقطع المياه عن عدوه فكيف يأمروننا بقطع المياه عن منزل سيادة القائد صاحب الأفضال العظيمة على الوطن و على الشعب ... هلموا معي فأنا سأدلكم على المكان الذي تم قطع المياه منه و قد أتيت لكم بكل المعدات اللازمة لوصل الأنبوب المقطوع و إعاة المياه إلى الشاليه." 

لهذا الرجل نقول: إن كل من اختبر النظام السوري يعلم حجم المخاطر التي عرضت نفسك إليها ، فبوركت أيها الشجاع النبيل و الشهم الأصيل ، و نشكر الله سبحانه و تعالى أنه لم يقرن المروءة بالمراتب ، و لا المودة بالقرابة ، و لا كرم الأخلاق بالمناصب!!    

و قد أتى تضامن موظفوا و عمال مؤسسة المياه ليعكس التوجه الشعبي العام المؤيد لسيادة القائد رفعت الأسد و الرافض لأساليب النظام الهمجية ، و المناهض لإصرار النظام على إبعاد سيادة القائد عن أرضه و شعبه

طع خطوط الهاتف الأرضي

و أيضاً بعد قطع المياه و الكهرباء أتى دور الخطوط الهاتفية فقام النظام بقطعها عن الشاليه و بالتالي عزل إدارتها و العاملين فيها عن العالم الخارجي ولم يبقى في الشاليه سوى جهاز "الثريا" اللاسلكي. إلا أن هذا الأمر لم يأتي بأي نتيجة تذكر لأن التفاف أبناء الشعب حول سيادة القائد كان أقوى مما يتصوره أزلام النظام. و هكذا كانت الاخبار تاتي من خلال انصار القائد و من عدة جهات ، وقد كان هؤلاء المخلصين يرسلون اولادهم ، رغم المخاطر ، لإيصال الاخبار من وإلى الشاليه.

و بقي الناس رغم هذه المضايقات يقومون باعمالهم بشكل طبيعي و لم يتغيب أي منهم عن عمله ، و كان الآلاف من المواطنين مازالوا يتوافدون الى الشاليه للحصول على عطاء سيادة القائد لهم و لأطفالهم وعيونهم تغمرها الدموع من المجهول القادم و هم يرون سيارات المخابرات تحيط بالشاليه.

و رغم كل هذا أيضاً كان سيادة القائد مصراً على عدم قطع مساعداته لأبناء الوطن و كانت أوامر سيادته تقضي باستقبال جميع الوافدين الجدد و تخصيص مبالغ شهرية لهم. الوافدون كانوا ياتون من جميع المحافظات و من جميع الطوائف ، ضباط و جنود مسرحين من جميع الوحدات العسكرية ، و موظفين و مدرسين و عمال ومزارعين و كانوا يطالبون المسؤول عن الشاليه إيصال صوتهم لسيادة القائد. و كان بعض الضباط المسرحون  يشرحون معاناتهم و كيف انهم بعد خدمتهم لوطنهم لاكثر من عشرين عامأً لا يستطيعون تامين لقمة العيش لعائلاتهم و أنهم أتو وكلهم امل ان يحصلوا على مساعدة من سيادة القائد.

و استمر الوضع هكذا لشهور قليلة حتى صدور الأمر بإعادة العسكريين إلى الفوج 555 و بدء مرحلة التحضير للهجوم العسكري على الشاليه

في منتصف عام 1999 تلقى الضباط و الجنود المكلفين بحراسة منزل سيادة القائد في دمشق و في اللاذقية أمراً من قيادة الفوج 555 بعودتهم جميعاً مع عتادهم العسكري إلى معسكر الفوج. 

تم إعلام سيادة القائد بهذا الأمر ، فأمر سيادته بنتفيذ الأمر مباشرة. فعاد جميع العسكريين إلى الفوج و لم يبقى في شاليه أفاميا سوى الحراسات المدنية و الكثير من هؤلاء هم من العسكريين المسرحين.

بعد مغادرة جميع العسكريين أتى العميد سليمان العبدالله رئيس فرع المخابرات العسكرية في اللاذقية إلى شاليه أفاميا و طلب من إدارتها طرد جميع العمال و المزارعين و الحراس المدنيين الذين يعملون في المنزل و الإبقاء على خمسة أشخاص فقط و هم المدير و معاونه بالإضافة إلى ضابط مسرح لقيادة الحراسة المدنية مع حارسين.

أجاب مدير المنزل (وهو شخص مدني) بأنه سيقوم بنقل هذا الطلب إلى أصحاب الأمر في هذا الشأن.

إلا أن العميد سليمان أتصل بعد ساعة بمدير المنزل و جرى بينهما الحوار التالي:

العميد سليمان: هلا تفضلت لاحتساء القهوة في مكتبي؟ إني أريد التحدث إليك قليلاً.

مدير المنزل: أنا لن أبارح مكان عملي و إذا كان لديك ماتقوله فيمكنك قوله على الهاتف ، و إلا فتفضل أنت إلى هنا.

العميد سليمان: أنا آتٍ ، أنتظرني تحت جسر المدينة الرياضية المقابل للشاليه.

مدير المنزل: لا ، لن أذهب إلى أي مكان .. يمكنك القدوم إلى مكتبي.

العميد سليمان: حسناً ، أنا أتٍ إليك.

وصل العميد سليمان إلى مدخل شاليه أفاميا و برفقته ثلاث سيارات مملوءة بالعناصر المسلحة. فطلب منه مدير المنزل الدخول إلى المكتب إلا أنه رفض و فضل أن "يتمشى" مع مدير المنزل على الطريق المقابل للمدخل. 

العميد سليمان: لدي أمر من جهات عليا بإخلاء جميع العاملين بالشاليه بما فيهم أنت ، و عليك تسليمنا الشاليه و مغادرتها فوراً.

مدير المنزل: من هو الذي سيستلم الشاليه؟

العميد سليمان: نحن
(1).

(1) طبعاً أن يأتي لمنزلك ضابط في المخابرات العسكرية و يطلب منك الخروج من منزلك ، و تسليمه له ، هو أمر لا يمكن أن يحدث في أي دولة على وجه الأرض إلا في سوريا.

مدير المنزل: هذه الشاليه و محتوياتها هي أمانة بأعناقنا و لا نستطيع تسليمها إلا إذا أمر أصحابها بذلك ، فانتظر حتى أقوم بإبلاغهم رغبتك.

قام مدير المنزل بنقل ما قاله العميد سليمان إلى أصحاب المنزل و تلقى بدوره منهم الأمر التالي: "لا تجبر أحداً على البقاء في المنزل و لاتطرد أي عامل منه ، و قل لهذا الضابط أن يقول لمن أرسله أن هذا المنزل هو منزل خاص و ليس دائرة حكومية. أما إذا كان يوجد أمر خطي من الرئيس بتسليم المنزل ، أو إذا أتى أحد أولاده و طلب المنزل فسلموه المفاتيح لأننا عائلة واحدة و لا فرق بيننا. و خلاف ذلك فعلى الذي يريد المنزل اللجوء للقضاء".  

عاد مدير الشاليه و قال للعميد سليمان:
اذا كان معك امر من السيد الرئيس فسوف ننفذه و نقوم بتسليم المنزل فوراً ، و اذا جاء احد ابناءه وطلب المنزل فعلى الرحب والسعة سوف نسلمه المنزل. أما اذا كان لا يوجد امر من السيد الرئيس فعليكم اللجوء للقضاء و استصدار حكم قضائي صريح يطلب منا تسليم المنزل لجهة قضائية رسميه ، و ذلك بعد ان يكون الامر القضائي قد أخذ الدرجة القطعية ، حينها سوف نقوم بتسليم المنزل بعد جرد جميع محتوياته اصولا ، و حينها نكون نحن قد سلمنا هذه الامانة من دون اي مسئولية تقع على عاتقنا لا ماديه ولا معنوية. أما أنتم (المخابرات العسكرية) فإنكم لا تمثلون السيد الرئيس و لا القضاء ، و هكذا فليس لديكم أي حق باستلام المنزل.

العميد سليمان: نحن نمثل القانون والنظام و يجب عليك تنفيذ التعليمات والأوامر الصادرة بتسليم الشاليه.

مدير المنزل: أنتم لا يوجد معكم أمر خطي من السيد الرئيس وليس معكم حكم قضائي و ليس معكم أية مستندات أو أوراق تقضي بتسليم المنزل ، و انتم لا تمثلون القضاء و غير مخولين باستلام أملاك الناس الخاصة ، فكيف نسلمكم المنزل؟

العميد سليمان: حسناً ، باعتبارك مدير للمنزل أطلب من العمال و المزارعين و الحراس أن يرحلوا وسوف تحل المشكلة من دون اي مسؤلية عليك.

مدير المنزل: انا لم آتي بهؤلاء العمال و الحراس ولا يحق لي طردهم .. و كيف تطلب مني أن أقطع رزقهم و هم فقراء لايملكون في هذه الدنيا سوى عطاء سيادة القائد؟

العميد سليمان: أفعل ذلك و قل لأصحاب المنزل ان العاملين في الشاليه قد تركوا العمل من تلقاء أنفسهم ، بكلمة منك سوف ينتهي كل شيئ وسوف تبقى أنت المسؤول عن الشاليه ، وعلاقتك سوف تصبح معنا اعتبار من الآن فاسمع كلامي هذه فرصتك...!

مدير المنزل: لست أنا من يفعل هذا.

العميد سليمان: أسمع نصيحتي فليس امامك أفضل من هذه الفرصة لتبعد المسؤوليه عنك ، و أنا أعدك بأني سوف أقول للقيادة انك كنت متجاوباً معنا وأنك نفذت كل ما طلبناه منك ، و أعدك أيضاً ان كل أمورك الشخصية ستكون ممتازة .. هيا يا رجل كن مع الطرف الأقوى الآن ، و لا تعرض مستقبلك و مستقبل عائلتك للضياع..!!

مدير المنزل: لقد قلت لك كل مالدي.

العميد سليمان: سوف تندم وسوف اجعلك ترى الجحيم.

مدير المنزل: أفعل ما تستطيع فعله .. جحيمك أخف بكثير من جحيم الله سبحانه و تعالى ، نحن لن نخون الأمانة الملقاة على عاتقنا.

كان يوجد في شاليه أفاميا ضابط مسرح و كان يشرف مباشرة على حراسة الشاليه. فطلب العميد سليمان من هذا الضابط ان يطلب من العاملين مغادرة عملهم فقال له: أنا كنت ضابطاً في الجيش أما الآن فأنا رجل مدني و لا سلطة لك علي.

عندئذ غمز العميد سليمان للعناصر المرافقة له ، فاقتربت إحدى سياراتهم و ترجل منا ثلاثة عناصر مسلحة و حالوا زج مدير المنزل بها. و ماهي إلا ثوان حتى قام عناصر حراسة الشاليه بتطويق الجميع و أمروا العميد سليمان أن يأخذ عناصره و يرحل.

و أخذ العميد سليمان يرتعد خوفاً و يصرخ بمدير المنزل: ماهذا ... ماهذه المظاهر؟؟!! قل لهم أن يتراجعوا ...!!

فأجاب مدير المنزل: هذا منزل سيادة القائد رفعت الأسد و هؤلاء هم حراس عليه و هذا مظهر مألوف لدينا. أما المظهر الغير مألوف فهو وجودك أنت و عناصرك في هذا المكان. لقد استقبلناك في منزلنا استقبال الضيوف و أنت في منزلنا و إذا بك تريد اعتقالنا فأي أخلاق ٍ هذه؟؟
نحن قلنا لك أننا لن نسلم المنزل إلا بواحد من ثلاثة: أمر من السيد الرئيس ، أو إذ جاء أحد أبناءه ، أو بحكم قضائي. أما الآن فأنت مجرد ضابط مخابرات و لانعرف من هو الذي أرسلك إلينا ، و لهذا فليس لك أي سلطة علينا.

فانتفض العميد سليمان و قال: هذا كلام فاضي وسوف تندم على ما تفعله ... و الله سنذيقكم الجحيم.

مدير المنزل: إذا كنت ترى أن أمر الرئيس و الإحتكام للقضاء كلام فاضي فنحن لا نراه كذلك.

ذهب العميد سليمان ، و على الفور قام مدير المنزل بجمع كل العاملين و الحراس في الشاليه بما فيهم أولئك الذين شهدوا و سمعوا كلام العميد سليمان و ذكر لهم ما حدث بينه و بين العميد سليمان العبدالله و قال لهم ربما تمر علينا أوقات صعبة ، أنا سأبقى ، من يريد البقاء فليبقى و من يريد الرحيل فليرحل فأنتم أحرار. فرفض الجميع تهديدات العميد سليمان و أصروا على البقاء في منزل سيادة القائد

إذاً ، هكذا و بدون أية مستندات قانونية يريد رئيس فرع المخابرات العسكرية طرد الناس من بيوتهم. و نحن لم ننشر الحديث أعلاه إلا بعد أن تأكدنا من صحته من ثلاثة مصادر على الاقل

و هكذا و بكل بساطة يطالب رئيس فرع المخابرات بطرد العمال و المزارعين لأن الطرف القوي يريد ذلك ، و أيضاً يطالب مدير المنزل بالكذب على أصحاب المكان و الإدعاء بأن العمال و المزارعون و الحراس قد غادروا من تلقاء أنفسهم

و بنفس الوقت يحدثنا رئيس فرع المخابرات العسكرية عن النظام و القانون ... و يقول أنه يمثل القانون

نقول لهذا العميد: يا أخا العرب .. إن طبيعة العمل في المخابرات العسكرية تتعارض مع ما أتيت من أجله. المخابرات العسكرية لها مهام تتعلق بحماية الوطن و المحافظة على الأمن القومي ، أما الأمر الذي أتيت من أجله فهو من اختصاص دور القضاء و الشرطة المدنية. فإذا أراد أحد ما ،  أو جهة ما ، إخلاء منزل من سكانه و طردهم منه فإنه يلجأ للقضاء ، و إذا حكم القضاء بإخلاء المنزل فإنه يرسل مذكرة إخلاء إلى أصحاب المنزل ، وهذه المذكرة ممهورة بمهلة تعطي أصحاب المنزل الوقت الكافي لنقض الحكم أو تنفيذه. و إذا لم يمضي اصحاب المنزل باتخاذ أي من هذين الإجرائين فإن القضاء يصدر أمراً للشرطة المدنية كي تقوم بإخلاء المنزل من سكانه و هذا هو بالضبط ما يسمى نظام و قانون.

فلماذا تتجنب الجهات التي أرسلتك القضاء؟ هل لأن قضيتهم خاسرة ، أم لأنهم لم يعتادوا اللجوء للقانون و لو لمرة واحدة في حياتهم؟!!

أما هذا الذي تفعله أنت ، و تسميه نظام ، فإنه عند جميع أمم الأرض يُسمى "بلطجة". لأن يعتدي على أملاك الناس ، و من يقطع أرزاق الناس ، و من يسلب الناس حرية اختيار أمكنة عملهم هو بلطجي ، هل استوعبت الأمر أم نشرحه لك مرة أخرى؟

و إذا كنت أيها العميد معتاداً أن تكذب على رؤسائك فهذا لا يعني أنك ستتمكن من تسويق مااعتدت عليه بين رجال سيادة القائد.
أما سعيك لحمل مدير المنزل كي يلتحق بالطرف القوي فربما يكون في جلاء هذا الأمر فائدة  لمن أرسلك ، كي يتعرف على حقيقة ولاء أزلامه له

بالنسبة للقضاء فقد كان ما يزال له بقية من الإعتبار عند رجال سيادة القائد ، و لهذا فقد عملت إدارة الشاليه على تكليف المحامي نبيل الكزبري برفع دعوى قضائية مستعجلة على الجهات التي تقوم بالتعدي على حرمة هذا المنزل و العاملين فيه. وقام المحامي المذكور بتقديم طعناً رسمياً لدى المحاكم المختصة بمثل هذه القضايا راجياً أن يتدخل القضاء لوضع حدٍ للجهات التي تتجاوز القانون و تعتدي على المواطنين

بعد مغادرة العميد سليمان العبدالله لشاليه أفاميا ، و في اليوم التالي جاء أحد العناصر التابعة لفرع المخابرات العسكرية ويدعى / نضال شاهين / و بحوزته تليفون لاسلكي و قال لمدير المنزل لقد أتيت إلى هنا لأن رئيس الفرع العميد سليمان عبدالله يريد التحدث معك ، و بعد أن اتصل
/ نضال / برئيس الفرع أعطى جهازه اللاسلكي لمدير المنزل و جرى بينهما الحوار التالي:

العميد سليمان: أسمع ما سأقوله لك ، إن الموضوع ليس بالبساطة التي تتصورها ، الموضوع أكبر مني و منك و يجب عليك أخذ الأمور بعقلانية ، لا تنجر للعواطف و لا تنسى أن لديك عائلة و أطفال. نفذ ما نطلبه منك وانا أعدك أنه لن يمسك أي سوء ، بل سوف تكون أمورك ممتازة ، أنا لم أرسل لك لا دوريه و لا عناصر بل أرسلت شخصا أنت تعرفه و أنتم من نفس الحي ، قم بطرد هؤلاء الناس وأجلب لي مفاتيح الشاليه الى الفرع و أنا سأتصل أمامك بالقيادة وأقول لهم أنك كنت متجاوب جدا معنا وأنك نفذت كل ما طلبناه منك من دون أي تاخير و أنت تعرف أن هكذا أمر سوف يعود عليك بالخير و سوف تبقى مسؤولاً عن الشاليه و علاقتك ستكون معنا و هذا ما يفعله أي عاقل ، أحسبها جيداً ماهو الأفضل ان تكون مع الدولة و برعايتها او أن تكون ضدها و متمرداً عليها؟ طبعاً انت تعرف مصير من يتمرد على أوامر القيادة.
يالله يا بطل أعمل ما أقوله لك وأنا بانتظارك بالفرع.

مدير المنزل: بالتأكيد يا سيادة العميد أنا لم و لن أتمرد على الدولة بل أنا مع الدولة و لم أفارقها ، و لأني مع الدولة فقد قلت لك أننا سننفذ أي أمر يصدر عن السيد الرئيس أو عن دار القضاء و هذا هو مفهوم الدولة لدي. أما إذا كان مفهوم الدولة لديك شيئ آخر فأنا أقول أني لن أخون ثقة سيادة القائد مهما كانت المغريات و مهما كانت التهديدات و مهما كانت النتائج.

العميد سليمان صارخاً: و الله سأريك الجحيم بأقرب وقت ممكن. و قطع الإتصال.

في اليوم الذي تلا هذا الإتصال أتت عدة سيارات ستيشن تابعة للمخابرات العسكرية و أخذت مكانها مقابل الشاليه و ترجل منها عشرات المسلحين بسلاح الميدان الكامل و الدروع و الحواجز و أخذوا يقومون بمطاردة القادمين إلى الشاليه من عمال و مزارعين و حراس و حتى أولئك القادمين من أجل استلام إعاناتهم المالية ، فيقومون باعتقالهم لعدة أيام في فرع المخابرات العسكرية و ينهالون عليهم بالضرب و التعذيب و من ثم يطلقون سراحهم بعد إجبارهم على توقيع تعهد بعدم العمل أو الإقتراب من شاليه أفاميا ، و أيضاً إجبارهم على التوقيع على أوراق بيضاء فارغة!!.

أعتقلوا الشباب و الفتيات و الشيوخ و السيدات المسنات بطرق مهينة ، و كان بين هؤلاء الشيوخ من خاضوا حرب تشرين عام 1973 و من خاضوا حرب لبنان 1982 ضد الإجتياح الإسرائيلي ، و الذي كان يعتصر قلوب هؤلاء الأبطال ، و يزيد في مرارتهم ، أن الذين يعتقلوهم لا ينبثون ببنت شفا لا بالجولان المحتل ، و لا بلواء اسكندرون المسلوب...!

دام هذا الحصار حوالي عشرون يوماً منع عناصر المخابرات العسكرية خلالها وصول أي إنسان إلى شاليه أفاميا و كلهم أمل في أن يعمل هذا الحصار على قطع إمدادات الطعام عن العمال و المزارعين و الحراس المرابضين داخل الشاليه ، و بالتالي إجبارهم على الإستسلام و الرحيل.

و لكن الذي لم يكن بحسبان عناصر المخابرات العسكرية هو أن يقوم محبي سيادة القائد بأعمال بطولية حقيقية من أجل الوقوف مع رفاقهم المحاصرين بالشاليه. فبعد ثلاثة أيام من الحصار فوجئ عناصر المخابرات بشاحنة كبيرة تسيرة بسرعة عالية قادمة من خلف المدينة الرياضية على الطريق المتاخم للشاليه ، و في اللحظة المناسبة انعطفت يساراً و كسرت حاجز المخابرات العسكرية و دخلت إلى حرم الشاليه. هذه الشاحنة كانت محملة بطعام و شراب يكفي المحاصرين لثلاثة أشهر على الأقل.

ورغم مطاردة المخابرات العسكرية للعاملين في الشاليه و قيامهم بإطلاق النار بشكل عشوائي لإخافة القادمين إليها فقد كان هؤلاء العمال يبذلون أقصى جهدهم  للوصول الى مكان عملهم ، و كان عدداً كبيراً منهم يرمي بنفسه في البحر عند مطاردة المخابرات لهم ، ليتابعوا السباحة بثيابهم حتى يصلوا إلى الشاليه.

في هذه الأثناء كان القضاء قد أصدر حكمه بقبول الطعن الذي قدمه المحامي نبيل الكزبري و قام بإرسال نسخة مستعجلة إلى المحكمة المختصة في اللاذقية و نسخة أخرى إلى محافظ اللاذقية ، و أيضاً نسخة إلى المجلس البلدي في المحافظة ليصبح الأمر برمته بيد القضاء. و أمر القضاء كان واضحاً .. و تم تذييله بعبارة تقول: على المتضرر اللجوء للقضاء.

و بالنتيجة ، و بعد فشل الحصار ، و بعد وصول الأمر إلى القضاء اضطرت قوات المخابرات أن تنسحب و تعود إلى أماكن عملها.

و هنا كلمة حق لا بد من ذكرها فقد كان الكثيرين من عناصر المخابرات العسكرية يغضون الطرف عمداً عن القادمين إلى الشاليه ، بل و كان بعضهم يقوم بعرض خدماته مجاناً على المحاصرين ، و ماكان لهذا أن يحدث لولا حب هذه العناصر لسيادة القائد و ولائهم الشديد لسيادته.

الدكتور دريد رفعت الأسد:

وصلت أنباء هذا الحصار إلى دمشق ، و عندما علم الدكتور دريد الأسد بهذه الأنباء أتى إلى اللاذقية و زار شاليه أفاميا و بدأ يسأل عن صحة ما سمعه. مدير المنزل و العاملين فيه شرحوا للدكتور دريد كل شيئ ، فاتصل الدكتور دريد بالعميد سليمان العبدالله و جرى بينهما الحوار التالي:

الدكتور دريد: هل صحيح أنكم تريدون طرد العاملين من الشاليه و مصادرة المنزل؟

العميد سليمان: لا ... لا أبداً ، لم يحصل هذا و لم نطلب اي شيئ من هذا القبيل ، لكن هناك عدة غرف مبنية على أرض تابعة لوزارة الدفاع و طالبنا بإزالتها فقط.

الدكتور دريد: حسناً ، إن هذا الموضوع يخص القضاء و المجلس البلدي و أي قرار يصدر عن القضاء و المجلس البلدي بهذا الشأن فسوف نتعاون معه. أما اذا كان الموضوع يتعلق بمنزل القائد فيجب عليك إعلامي بالامر ، القائد في سفر و هذا المنزل هو منزلنا و أنا موجود هنا في اللاذقية حالياً فأرجو منك تبليغي بأي أمر يخص هذا المنزل.

الدكتور دريد أدرك أن العميد سليمان يكذب ، فأنباء الحصار وصلت إلى دمشق ، و ليس من المعقول أن تكون شهادات عشرات العاملين بالشاليه غير صحيحة. فقال الدكتور دريد للمجتمعين حوله :  كما سمعتم ، لقد أنكر العميد سليمان كل شيئ. أنا أصدقكم ، ربما كان يوجد لديه تعليمات و أوامر بطرد العمال و مصادرة المنزل ، أما الآن فيبدوا أن هذه التعليمات قد تغيرت ، لذلك أطمئنوا و تابعوا أعمالكم.   

في اليوم التالي جاء / نضال شاهين / مبعوث العميد سليمان العبدالله إلى شاليه أفاميا و معه جهاز الإتصال اللاسلكي و طلب من مدير المنزل التحدث إلى العميد سليمان من خلاله.

خاطب العميد سليمان مدير المنزل بلهجة هادئة و قال: حسناً ، لتبقى الامور كما هي و كل ما نرجوه منكم هو خفض عدد عناصر حراسة المنزل الذين يحرسون الجهة المطلة على المدينة الرياضية.

مدير المنزل: لابأس ، لا يوجد لدينا أي مانع من التعاون في هذا الأمر و سوف نلبي هذا الطلب و نقوم بتخفيف الحراسة

الإلتفاف على حكم القضاء و ضربه عرض الحائط

مضت أيام قليلة بهدوء و بدون أية منغصات و أصبح جميع العاملين مطمئنين أنه لن يجرؤ أحد على مضايقتهم بعد الآن. فأمر القضاء كان واضحاً و صريحاً ... ولكن ما الحيلة عندما تتعامل مع جهات لا ترى هذا القضاء و لا تقيم له وزناً؟؟!!

الذي حصل هو أن الجهات التي تقف وراء العميد سليمان كانت تبحث ، خلال أيام الهدوء هذه ، عن وسيلة لتجاوز قرار القضاء ، و الذي حصل أخيراً هو أن العميد سليمان العبدالله استدعى إلى مكتبه محافظ اللاذقية و رئيس المجلس البلدي و أتفق معهم على أن يقوموا بإصدار مذكرة تتضمن قبول الطعن الذي صدر عن القضاء شكلاً و رفضه مضموناً..!

و فور صدور هذه المذكرة قام العميد سليمان العبدلله بإصدار التعليمات لعناصره بمحاصرة شاليه أفاميا مرة اخرى و لكن .. بحجم قوات أكبر و عتاد عسكري أثقل ، و عادت المشاكل إلى السطح من جديد

الأستاذ ريبال رفعت الأسد

كان الأستاذ ريبال يتابع هذه التطورات عن طريق مدير المنزل ، واتت عملية الإلتفاف على أمر القضاء و نسفه لتضعه أما تساؤلات عديدة حول حقيقة الذي يجري. و سعياً منه لمعرفة مايدور اتصل بالعميد سليمان العبدالله ، و حسبما علمنا فقد جرى بينهما الحوار التالي:

الاستاذ ريبال: هل لك يا عميد سليمان أن تعرض علي حقيقة الأوامر التي لديك؟

العميد سليمان: عذراً يا أستاذ فأنا لدي توجيهات و هذا هو كل ما استطيع أن أقوله لك الآن.

الأستاذ ريبال: أليس من حقنا أن نعرف مصدر هذه التوجيهات؟ هذا منزل نائب الرئيس و شقيقه ، فإما أن يكون هناك أمراً من الرئيس بتسليم المنزل أو أن يكون هناك حكم قضائي بتسليمه. أما إذا أراد الرئيس إرسال أحد أولاده لاستلام المنزل فلا مانع لدينا لأننا عائلة واحدة.

العميد سليمان: والله يا أستاذ أنا أكرر أسفي فقد أتتني هذه التوجيهات و لا أستطيع أن أكشف هوية هذه الجهات أو أن أخوض في أية تفاصيل..

إذاً عاد الحصار و عادت معه الإعتقالات و ضرب الناس و تعذيبهم و ترهيبهم و عادت المشاكل لتؤرق أصحاب هذا المنزل و كل العاملين فيه.

فقام اصحاب الحكمة باتخاذ الإجراء الكفيل بنزع فتيل هذه الأزمة و الحفاظ على سلامة المواطنين الأبرياء

قرار سيادة القائد

كان يتم عرض أخبار شاليه أفاميا على سيادة القائد بشكل يومي. و عندما علم سيادته أن هذه الشاليه قد شكلت هاجساً حقيقياً للطرف الآخر ، و أن القضاء لن يستطيع حماية الأبرياء الذين يعملون بالمنزل ، قرر سيادته أن يقدم هذه الشاليه هدية لهم.

و كلف سيادته أبنته الآنسة نتال بالذهاب إلى سوريا لمقابلة الرئيس حافظ الأسد و تقديم مفتاح الشاليه له

وصول الآنسة نتال رفعت الأسد

وصلت الآنسة نتال إلى سوريا قادمة من أسبانيا و توجهت فوراً إلى شاليه أفاميا للإطمئنان على العاملين فيها و زرع الطمأنينة في نفوسهم.
و في اليوم التالي أتصلت بمدير مكتب الرئيس حافظ الاسد / السيد أبو سليم دعبول / و طلبت منه إعلام السيد الرئيس بأنها تريد مقابلته.

بعد أيام ، و بتاريخ 19/10/1999 أتصل السيد أبو سليم دعبول بالآنسة نتال و طلب منها التوجه إلى دمشق من أجل مقابلة السيد الرئيس..

فطمأنت الآنسة نتال جميع العاملين بأنه لن يصيبهم أي سوء ، و أنه سيصار إلى متابعة رعاية شؤونهم و شؤون عائلاتهم ، و توجهت إلى منزل سيادة القائد في دمشق ، و فور وصولها قامت بإعلام السيد أبو سليم دعبول أنها جاهزة للمقابلة في أي لحظة يطلبها الرئيس فيها

في صباح اليوم التالي و بينما كانت الآنسة نتال تنتظر إتصال مدير مكتب الرئيس السيد أبو سليم دعبول في دمشق ، وصلت إلى شاليه أفاميا عشرات الآليات العسكرية والدبابات و المصفحات الحربية يرافقها أكثر من ألفي جندي و مئات من عناصر المخابرات العسكرية و الشرطة العسكرية و جنود حفظ النظام و قاموا بتطويق الشالية من جميع الاتجاهات. و من جهة البحر قامت أربع زوارق حربية مدججة بالمدافع و الرشاشات بتطويق المدخل البحري المؤدي للشاليه ، و هكذا لم يبقى للمحاصرين داخل الشاليه أي منفذ للخروج منها.

أخذت القوات المقاتلة تعمل على إحكام تطويقها للشاليه ، وقد تم استخدام أسطح المباني المجاورة كشاليه الأستاذ جميل الأسد رحمه الله و أيضاً أسطح  الأبنية المجاورة لنادي الفروسية و أخذت المدافع و الدبابات توجه فوهاتها للداخل بينما أحتشد الجنود مع دروعهم الواقية حول المداخل و السور الخارجي استعداداً للهجوم عليها ، و من ناحية أخرى تم أيضاً قطع جميع الطرقات الرئيسية و الفرعية المحيطة بالشالية و تم تحصين الإتجاه المعاكس لحماية خلفية القوات حيث كان النظام يضع احتمال نشوب مواجهات مع السكان المحليين المؤيدين لسيادة القائد بعين الإعتبار.

مخطط تقريبي يبين أمكنة تموضع القوات

طلب مدير المنزل من جميع عناصر الحراسة أن يحافظوا على الهدوء التام ريثما يتم إعلام أصحاب الشاليه بهذا الأمر

و بينما همَّ مدير المنزل بالإتصال بأصحاب الشاليه لشرح الوضع الجديد دخل رئيس حرس الشاليه إلى المكتب مسرعا و قال لمدير المنزل: "إن رئيس فرع المخابرات العسكرية يريد ان يتحدث إليك" فقال مدير المنزل: "قل له انه بإمكانه أن يتفضل الى المكتب لعرض أي أمر يتعلق بالشاليه" خرج رئيس الحرس و دعا العميد سليمان العبدالله للدخول ، إلا أن العميد كاسر الضاهر رئيس فرع الشرطة العسكرية قال للعميد سليمان: "أنصحك بعدم الدخول اليهم ، فربما يقومون باحتجازك رهينة لديهم". و لدى توجه رئيس الحرس إلى المكتب لإعلام مدير المنزل بما بما حصل سمع جميع من في داخل الشاليه صوت إطلاق بعض الأعيرة النارية في الخارج .

عاد رئيس الحرس و خاطب العميد كاسر الضاهر رئيس فرع الشرطة العسكرية راجياً أن يأمر بوقف إطلاق النار و قال: " أرجوا منك ياسيادة  العميد ان تعطي امراً لعناصرك بعدم اطلاق النار فنحن ابناء وطن واحد ، نحن جنود هذا الوطن ، لقد حاربنا العدو سوية و لنا تضحيات كبيرة".  ". فقال العميد كاسر "يوجد لدينا أوامر بإخلاء الشاليه مهما كلفنا الامر و قد صبرنا بما فيه الكفاية وسوف نرى عنادكم هذا إلى أين سيوصلكم".

و هنا رفع العميد كاسر الضاهر يده للقوات في إشارة لبدء الهجوم و صرخ بصوت مرتفع "هجــــوم!!" و بدأت القوات المهاجمة بقصف الشاليه بقاذفات الآر بي جيه و المدافع الثقيلة و الرشاشات الأوتوماتيكية.

الفوضى!
مع بدء الهجوم عمت الفوضى في الخارج وبدت صنوف المهاجمين من شرطة العسكرية و قوات حفظ النظام و مخابرات عسكرية وقوى بحرية كل يغني على ليلاه ..! و لم يكن يوجد أي تنسيق فيما بينهم. و في حين بدأ بعض عناصر القوات المهاجمة بإطلاق النار باتجاه الشاليه أخذ البعض الآخر يصرخون بهم .." ماذا تفعلون؟؟ هذا منزل القائد رفعت الأسد .. توقفوا عن اطلاق النار!! فمنهم من استجاب و منهم من لم يسمع من شدة الضوضاء و منهم من تابع إطلاق النار .. ضوضاء و فوضى و صراخ بالخارج أزادت حدتها مع بدء بعض المهاجمين بإطلاق النار على رفاقهم الذين لم يستجيبوا لنداء وقف إطلاق النار على الشاليه و قد تبين لاحقاً أن العديد ممن أصيبوا من القوات المهاجمة كانوا قد تلقوا الرصاصات من الخلف!!. 

و أخيراً تمكن مدير المنزل من الإتصال بالأستاذ ريبال الاسد...

الأستاذ ريبال: ما هذه المفرقعات و الضوضاء

مدير المنزل يصرخ بأعلى صوته: إنهم يقصفون الشاليه

الاستاذ ريبال: من؟!!!

مدير المنزل: المخابرات العسكرية و الشرطة بجميع أنواعها و الجيش و قد أتوا بالدبابات و العربات القتالية المصفحة و نحن محاصرون..

الأستاذ ريبال: حسناً حسناً سنعمل فوراً على معالجة الأمر!!

دقائق مرت عمل فيها جميع المتواجدين على ضبط النفس و على عدم الرد على القصف الذي كان مستمراً. فأمر مدير المنزل جميع الموجودين داخل الشاليه بالتجمع و التوجه إلى فناء الشاليه الخارجي و الهتاف بصوت واحد بحياة الرئيس حافظ الأسد ، و أخذ أكثر من مئتي شاب و فتاة بالهتاف بأعلى صوتهم "بالروح بالدم نفديك يا حافظ"

و قد اعتقد الجميع أن هذا الهتاف ربما يكون الطريق الأمثل و الأقصر لإيصال رسالة إلى السيد الرئيس و هي أننا نحب الرئيس حافظ الأسد كما نحب القائد رفعت الاسد و أننا لسنا أعداءً للرئيس أو للدولة..! فقامت القوات المهاجمة بالرد على مصدر "الهتافات" بالرشاشات الأوتوماتيكية وسقط العديد من الهاتفين بين قتيل و جريح.

اتصل الأستاذ ريبال بمدير المنزل و سأله عما إذا كان القصف قد توقف أم لا .. فقال مدير المنزل: "كما تسمع يا أستاذ القصف مازال جارياً" و في هذه اللحظة دخل أحد عناصر الحراسة إلى المكتب و يديه الملطختان بالدماء على صدره و قد اصيب بطلق ناري..

الأستاذ ريبال: مذا يحصل؟؟؟ هل يطلقون النار على العمال مباشرة؟

مدير المنزل: للأسف نعم .. لقد سقط العديد من الجرحى و استشهد العامل حسام محرز نتيجة إصابته برشقة من رشاش أوتوماتيكي بينما كان الجميع يهتفون بحياة الرئيس حافظ الأسد.   

الأستاذ ريبال: إن القائد يحاول الإتصال بالرئيس منذ اللحظة الأولى للهجوم و لم يتمكن من الوصول إليه و أيضاً قمنا بإرسال فاكس للقصر الجمهوري.

مدير المنزل: ماذا نفعل الآن؟ إنهم يقتلوننا!!

الأستاذ ريبال: حاولوا الخروج من الشاليه أو الإختباء بداخلها و لا تعرضوا أنفسكم للخطر. إن القائد مازال يعمل على طلب الرئيس.

مدير المنزل: أين نذهب إن الشاليه محاصرة من جميع الجهات وأنت تسمع مدى قوة وعنف القصف الموجه إلينا ، إنهم لم يتركوا أي ثغرة للخروج من الشاليه و يبدوا أنهم جاؤوا لارتكاب مجزرة فحتى المكان الذي أتكلم منه اصبح عرضة للقصف و بعض القذائف قد سقطت على الجانب الغربي للمكتب و إنني لن استطيع الاتصال بك بعد الان ... عموماً لا تقلق علينا يا أستاذ فلطالما قلنا أن أرواحنا هي فداءً للقائد و للرئيس و الآن أيضاً نحن فداءً للقائد و للرئيس و لم يتغير شيئ بالنسبة لنا فنرجوك أن تبلغ سيادة القائد حبنا و ولائنا له و قل له ان لايشغل باله علينا فنحن فداءً لسيادته و لمبادءه و لقيمه. وردد جميع من كانوا يستمعون للمكالمة "نعم إننا فداءً للقائد"

الأستاذ ريبال: إنشاء الله لن تصابوا بمكروه ، حاولوا تجنب النيران قدر المستطاع و لا تردون على إطلاق النار ، القائد يحاول الوصول للرئيس لإيقاف هذا الهجوم

الإتصال السابق كان الأخير ، و أيضاً كان هذا الإتصال هو آخر شيئ ربط المتواجدين داخل الشاليه بالعالم الخارجي.

بعد الإتصال الأخير أيقن مدير المنزل و من معه أنهم باتوا في محرقة معزولة عن العالم الخارجي و أنهم أمام موت محقق لا محالة.

فالقصف على أشده و لا منفذ للخروج من المكان ، و سيادة القائد لم يتمكن من الوصول للرئيس و هتافهم بحياة الرئيس لم يعطي أي نتيجة ، بل على العكس فإن الإصابات المباشرة و القتل العمد لم يبدأ إلى بعد البدء بهذه الهتافات!!

و مع ازدياد أعداد المصابين قرر الجميع أنه عليهم مواجهة مصيرهم بكل شجاعة و بسالة ، و بدؤا بالرد على مصادر النيران مباشرة ، و هذا حق يكفله لهم الشرع و القانون .. و هو حق الدفاع عن النفس.

الرد على مصادر  النيران أجبر القوات المهاجمة إلى التراجع الى خلف السواتر التي قاموا بإنشائها قبل الهجوم ، و توقف أطلاق النار لدقائق. ربع ساعة مرت على هذا الحال تهيأ للمحاصَرين خلالها أن تسوية ما قد حصلت إلا أن الواقع كان غير ذلك تماماً ..إذ قام المهاجمون برص صفوفهم من جديد و بدؤوا بالتقدم خلف الدبابات و العربات المصفحة من نوع  ب-ت-آر و ب-م-ب ، و في وقت واحد قامت هذه الدبابات و المصفحات بتوجيه قذائفها بغزارة باتجاه الشاليه ، و بالتزامن معها بدأت الزوارق البحرية باطلاق رشقات من مدفعيتها باتجاه الجانب البحري للشالية و أخذت سعف النخيل تتهاوى و الجدران تتحطم و الأبواب و النوافذ تتساقط ... ثلاث ساعات على هذه الحالة ، و لكن رغم شدة القصف و كثافة النيران لم تتمكن القوات المهاجمة من اقتحام الشاليه ... و لهذا طبعاً أسبابه...

فمقارنة مع جنود القوات المهاجمة الذين لم يخوضوا حرباً واحدة في حياتهم ، كان يوجد بين المحاصَرين عدد لابأس به من جنود سرايا الدفاع السابقين ، و من المعروف أن جنود سرايا الدفاع قد تلقوا أفضل التدريبات العسكرية و يتمتعون بمهارات قتالية عالية بفضل الحروب التي خاضوها ضد الجيش الأسرائيلي على سفوح جبل الشيخ و في حرب لبنان. و بالطبع ، إن الجهة التي أرسلت العميد كاسر الضاهر تعلم هذا الأمر جيداً ، و ما أرسال هذه الجهة لأكثر من أربعة آلاف جندي للهجوم على شاليه أفاميا إلا لمعرفتها بأن كل عنصر من عناصر سرايا الدفاع سيحتاج مقابله عشرة عناصر من وحدات الجيش الأخرى. و بالفعل .. و رغم بساطة أسلحتهم و تجهيزاتهم فقد أستطاع هؤلاء الجنود توجيه ضربات موجعة للقوات المهاجمة عن طريق تنفيذهم لخمسة مناورات ناجحة أذهلت العميد كاسر الضاهر عن نفسه و جعلته يأمر قواته بالتراجع و من ثم معاودة الهجوم خمسة مرات متتالية ...!

العميد كاسر الذي كان مطالباً بحسم المعركة خلال دقائق كان يتلقى أتصالاً من الجهة التي أرسلته كل ربع ساعة للأستفسار عن النتيجة و في كل مرة كان يقول: "لم نتمكن من الإقتحام بعد" .. فقامت هذه الجهة بتعزيز القوات المهاجمة و أرسلت ثلاثة مروحيات حربية للمشاركة في الهجوم تحت إمرة العميد كاسر الضاهر.      

و بأنصاف نقول: أنه لو لا لجوء القوات المهاجمة للمروحيات التي قامت بإطلاق القذائف المشلة للأعصاب و القنابل المسيلة للدموع لما استطاعت اقتحام الشالية.

أحدثت قذائف الغاز غمامة كثيفة غطت سماء الشاليه و محيطها و هدأت على أثرها النيران من الطرفين. جنود الجيش المهاجم كانوا مجهزين بالأقنعة الواقية أما عناصر الشاليه فلم يكن لديهم ما يجنبهم تأثير هذه الغازات. و في حين عمل البعض على تغطية وجوههم بأقمشة مبللة بالمياه  فإن تأثير الغاز كان شديدأً على من ليس لديه خبرة سابقة. أمام الوضع الراهن ، و نظرا لتعرض حياة الموجودين من الاطفال و النساء و المسنين للخطر ، نزل مدير المنزل الى الملجأ الذي يحتمون به و قال لهم: "كما رأيتم، لم يكن أمامنا خيار آخر ، لقد قاموا بإغلاق كل المنافذ و لم يتيحوا أي مجال للكلام ، لقد فرضوا علينا حرباً لم نكن نريدها .." و بعد التشاور فيما بينهم تقرر إخراج النسوة و الاطفال و كبار السن وعدد كبير من الشباب المزارعين وعمال الصيانة .. و هذا ما حصل إذ توجهوا مجتمعين إلى البوابة الرئيسية ، و ما أن وصلو إليها حتى انهال عليهم الجنود .

خروج النسوة و الأطفال شكل ارتياحاً لمن تبقى من المحاصَرين الذين أصروا على البقاء للدفاع عن منزل قائدهم حتى نفاذ الذخيرة التي بحوزتهم آملين أن تؤدي محاولات سيادة القائد للإتصال مع السيد الرئيس إلى وقف هذا الهجوم بأقرب وقت ممكن.

ماهي إلا دقائق حتى تجدد القتال ثانية ، و استبسل عناصر الحراسة في الزود عن منزل قائدهم و لقنوا العميد كاسر الضاهر و جنوده دورساً في الشجاعة و المهارات القتالية و بدا كاسر الضاهر في قمة الإرتباك فما أن يصرخ "هجوم" حتى يتبعها بالصراخ "تراجعوا تراجعوا تراجعوا" ..!

ساعتين من القتال الضاري كان القصف خلالها ينطلق باتجاه الشاليه على أشده و بمشاركة طائرات الهليكوبتر و مع ذلك لم تستطع الجنود المهاجمة التقدم متراً واحداً.

هذا المشهد يذكرنا بحرب 1973 عندما تم الإعلان عن وقف اطلاق النار تحت أشراف الأمم المتحدة في الوقت الذي كانت فيه اسرائيل ماتزال تحتل القنيطرة. فرفض قائد سرايا الدفاع هذا الأمر و بقي يقاتل مع جنوده 90 يوماً أخرى حتى تم تحرير القنيطرة على أيديهم.

و لكن ... لكل شيئ نهاية .. فالذخيرة التي بحوزة عناصر الحراسة قد شارفت على الإنتهاء و أصبحت جعب بعضهم خاوية من الرصاص .. و تزامن هذا مع قيام المروحيات بإطلاق قذائف الغاز المشل للأعصاب مرة ثانية...

ماذا نفعل؟؟ سأل بعضهم مدير المنزل ، "الذخائر شارفت على الأنتهاء و لن يبقى لدينا مانقاوم به"

مدير المنزل: نعم ، أنا أعي هذا ... و أعلم أنكم بذلتم مافي وسعكم.

قال كبيرهم: "نحن كعناصر حراسة قد قمنا بواجبنا أمام الله. أما الآن فإن الاستمرار في القتال لم يعد يجدي ، الأستمرار في هذا من دون ذخيرة هو انتحار مؤكد و هذا لايجوز ... " و سأل مدير المنزل: "هل تعتقد أن الأمر لم يصل للسيد الرئيس بعد؟!!".

نظر مدير المنزل إلى وجوه هؤلاء البواسل التي تغطيها سموم الغازات و الغبار .. و نظر إلى أجسادهم المغطاة بالدماء: " لا .. لا أعتقد أن يتحرك هذا الجيش و هذا العتاد العسكري الضخم و يحدث مثل هذا الدمار في سوريا دون علم السيد الرئيس .. لا بد و أن سيادته قد أصبح على علم بكل مايجري ..."

كان التشاور في الأمر هو سيد الموقف الذي جمع هؤلاء الشجعان .. و بالتأكيد لم يكن أحد ليلومهم على أي قرار يتخذونه مجتمعين ..

لقد فرض الواقع نفسه عليهم مرتين ، مرة عندما تم اقحامهم في حرب لم يريدوا لها أن تحدث ، و مرة عندما اجتمعت لديهم الدلائل على أن الذي يحدث إنما يحدث بعلم و موافقة الرئيس حافظ الأسد.

و هكذا أتى قرارهم "التسليم بالأمر الواقع" ليضع نهاية لهذه المواجهات الدامية ، و نهاية لواحدة من حلقات الإعتداء السافرة ، التي ماكان لها أن تحدث على الإطلاق .. لو اتيح المجال للقانون أن يأخذ مجراه .. و أن لا يبقى مجرد رسماً على الورق.

سار الجميع باتجاه الباب الرئيسي بموازاة السور الفاصل بين شالية أفاميا و شاليه المرحوم الأستاذ جميل الأسد و لدى وصولهم للباب الرئيسي كان جنود الجيش المهاجم و الشرطة و المخابرات بانتظارهم. و عملاً بقانون المافيا المسلحة التي تهاجم ، تقتل ، تعتقل ... و أيضاً تحاكم ، فقد قام عناصر المخابرات و الشرطة العسكرية بكل هذا دفعة واحدة ..! و لما الإنتظار طالما أن الصلاحيات مفتوحة و لا وجود للقيود أو القوانين؟!! 

فقاموا بسطحهم أرضاً و بدؤا برفسهم على وجوههم و بطونهم و الضرب بكل قوة بأخماص البنادق المعدنية و الخشبية على وجوههم حتى سمع الجميع أصوات تكسر جماجمهم، و لشدة الحقد قاموا بتوجيه ضربات قوية على منطقة الفك بغية كسره عمداً و أخذ بعض عناصر الشاليه يلفظون الدماء و الأسنان المتكسرة من أفواههم، وعمد بعض أزلام النظام إلى توجيه الضرب بفوهات البنادق المعدنية على المناطق الحساسة في الجسد و هم يكيلون أفظع الشتائم و أقذرها، و في أقل من خمسة دقائق أصبح الجميع يغطون في بحيرة من الدماء.

رأى هذا و رواه كل الذين كانوا قد خرجوا سابقاً من الشاليه، حيث كانوا يجلسون القرفصاء و أيديهم فوق رؤوسهم كأسرى الحروب.

و حتى الطفل علي أبن السنوات الأربعة الذي كان يبكي و يصرخ من شدة الخوف ، كان يضع يداه هو الآخر فوق رأسه و يراقب هذه المشاهد الوحشية و المرعبة بعينيه الصغيرتين!!

مدير المنزل كان له معاملة خاصة ، فأحاط به أكثر من عشرة عناصر من المخابرات و الشرطة العسكرية و انهالوا عليه بالضرب و الشتم و اشترك معهم رئيس فرع المخابرات العميد سليمان العبدالله و هو يصرخ "الم تمت بعد وتريحنا منك يا ..."

و بعد أن أوسعوا الرجل ضرباً رفعوه عن الأرض و جروه إلى داخل الشاليه حيث كان رئيس فرع الشرطة العسكرية كاسر الضاهر بانتظاره فاقترب الضاهر من مدير المنزل و ضربه بكعب المسدس على راسه و طلب منه فتح ابواب الشاليه فقال له مدير المنزل لا يوجد أحد في الداخل و لم يطلق أحد اي طلقة من الداخل و أن جميع الأبواب مقفلة فطلب الضاهر من عناصره أن يقوموا بتفتيشه و الحصول على المفاتيح و عندما لم يجدوها معه أعادوا عليه الضرب المبرح و هنا تدخلت احدى الفتيات و قالت أن المفاتيح موجودة مع مسؤولة التنظيف ، فأتوا بتلك المرأة و أمروها بفتح الأبواب و من شدة ذعر عناصر الشرطة العسكرية قام أحدهم بإطلاق النار بمجرد قيام المرأة بفتح أول باب!!! و من ثم قام كاسر الضاهر باستخدام مدير المنزل و مسؤولة التنظيف كدروع بشرية و أخذ يدخل الغرف الواحدة تلو الأخرى و يفتشها مع عناصره. 

و بعدما تأكدوا من عدم وجود أحد داخل الشاليه أخرجوا مدير المنزل و المرأة منها بالركل والشتائم و نزعوا ملابس مدير المنزل عنه ووضعوها على رأسه و زجوا به بإحدى سياراتهم  و أخذوه معهم إلى مقر فرع المخابرات العسكرية.

اما بقية العناصر فقد تم الزج بهم بسيارات الشرطة العسكرية المخصصة لنقل المساجين و تم ترحيلهم إلى فرع المخابرات العسكرية و هنا حصل صدام بين رئيس فرع الشرطة العسكرية و بين رئيس فرع المخابرات العسكرية حيث أراد كل منهما أقتياد المعتقلين إلى فرعه

شهود من الجانب الآخر:

لقد عمد النظام السوري في اختياره لضباط و جنود الجيش المهاجم إلى مراعاة التالي:

1- أن يكون الضباط من النوع التافه الخالي من الإحساس الوطني و الإنساني ، و الحمد لله أنهم قلّة في الجيش.
2- تجنب أي ضابط أو عنصر ممن يُعتقد أنهم من مؤيدوا سيادة القائد رفعت الأسد.
3- تجنب المقيمين في اللاذقية و جوارها و الحرص على أرسال ضباط و عناصر يجهلون هوية و عائدية المكان المهاجم

و مع ذلك فقد كان يوجد بينهم العديد من العناصر المؤيدة لسيادة القائد و الرافضة لهذا الأسلوب الهمجي و قد تم تسجيل العديد من حالات الرفض بعد أن عرفوا عائدية المكان و كما ذكرنا سابقاً فقد تبين بعد انتهاء الهجوم أن العديد من جرحى و قتلى الجيش المهاجم كانوا قد تلقوا الطلقات من الخلف مما يؤكد أن رفاقهم قد قاموا بإطلاق النار عليهم بعد أن أمروهم بالتوقف و لم يتوقفوا و اعترف بعض الضباط بهذا في المحكمة لاحقاً و أقروا بأن أكثر اصابات جنودهم قد نتجت عن أطلاق ناري مقصود من قبل رفاقهم.

رفض للأوامر و إعلان الولاء لسيادة القائد رفعت الأسد:

- عندما بدأ الهجوم و بدأ معه قصف الشاليه اعطى أحد الضباط (و هو برتبة رائد) أوامره لقائد الدبابة باطلاق النار على الشاليه فرفض قائد الدبابة الأمر و قال للرائد: "لن اقصف هذا المنزل مهما حصل". فصرخ به الرائد: "نفذ وإلا ستعدم لعدم الإلتزام بالأوامر العسكرية ، نحن في معركة ولا مجال للنقاش بهذا الأمر" و عندما أصر قائد الدبابة على الرفض قام الرائد بالدخول إلى حجرة الرامي بالدبابة و قام بإطلاق النار على الشاليه بنفسه.

- بعد انتهاء الهجوم قام هذا الرائد بقيادة تلك الدبابة الى مدخل الشاليه و ترجل منها ضاحكاً و رافعا اشارة النصر ، فنهره أحد ضباط المخابرات و قال له حرفياً "انزل يديك كفانا مسخرة ، هل انتصرت على هؤلاء!!!؟" مشيراً بيده الى النساء و الاطفال و العناصر الذي تم تركيعهم امام مدخل الشاليه.

- قام احد عناصر حفظ النظام بالتعرض للفتيات بكلام بذيئ وغير اخلاقي فقام احد عناصر المخابرات بنهره بالقول "اسكت يا أبن الكلب" و قال للفتيات "لا تخفن فقائدكم هو قائدنا و أنتن اخواتنا و لن أسمح لأحد أن يمسَّكُن بسوء".

- أحد الضباط الذين كانوا ضمن القوة المهاجمة قال أنه بقي لشهور يعاني من القلق و الشعور بالذنب و الخجل: "لقد قالوا لنا أننا سنهاجم مرفأ تهريب و لم أكن أعلم بأننا سنهاجم منزل الدكتور رفعت الأسد ، أين هو ذاك المرفأ و أين هم أولئك المهربون؟؟

ولاء الشعب للقائد:

- بعد انتهاء المعركة و في طريق عودة أرتال الجيش المهاجم و الدبابات عمل الأهالي على التجمهرعلى أطراف الطرق و قاموا برشقهم  بالحجارة و هم يكليلون لهم الشتائم و يرددون: "أيعقل أن تهاجموا منزل القائد الذي حمى سوريا و حمانا و حمى أخاه؟" و أيضاً: "الجولان ليست من هنا".

- في جنازة أحد ضحايا النظام (أحد الجنود المهاجمين) أخذ أهل الميت يصرخون هل ترسلون أولادنا ليهاجموا منزل القائد رفعت الأسد؟؟ هل أرسلناهم إلى الجيش من هذا أم من أجل حماية الوطن و تحرير الجولان؟

في فرع المخابرات العسكرية

يتبع

 

آخر تحديث الاثنين, 02 ديسمبر 2019 23:33